الثلاثاء، 21 أكتوبر، 2008

تلك الإبتسامة المشؤومة



قفز الى ذهنه قول ( ينبغي حماية الجسد وليس الأفكار)* وهو جالس على مقعد مرحاض في أحد المطاعم الصينية. حدسَ أن ذهنه يريد حل اللغز : لماذا تلك الأبتسامة اللعينة حين إستيقظ صباحا. خرج من التواليت وطلب قدح شاي أخضر. كان قد غادر البيت مبكرا قبل نهوض زوجته وأبنته. من المطعم بعث الى الزوجة رسالة هاتفية كتب فيها أنه خرج للتمشي قليلا وسيعود بعد ساعة. هاهي الساعة تنقضي. تذكر أنها طلبت منه بالامس أن يشتري في يوم الأثنين مكنسة كهربائية جديدة. أنتبه أثناء ذلك الى عجوزتين جالستين في زاوية من المطعم وتحلان معا كلمات متقاطعة في جريدة. إحداهما تمسك القلم والثانية تفكر واضعة أصبعها على أنفها. البارحة تعطلت المكنسة الكهربائية أثناء تنظيفه غرفة الصغيرة. شاهد الآن أنعكاس أبتسامته في قدح الشاي والتي صارت بلون أخضر. أخذ يفكر بقضية الافكار والجسد وهو يراقب المرأتين. من المحتمل أنه شاهد، قبل دخوله المطعم، مجموعة من الاطفال يقفون عند أشارة المرور منتظرين الضوء الاخضر. وقفوا في صفين، وكانت هنالك معلمتان. واحدة في المقدمة و أخرى في المؤخرة . خمن عدد الصغار : 12 تلميذا من فصيل الأمل القادم - حرك ذهنه ذيله فرحا. سوف لن يكونوا سوى أطباء ومهندسين وقتلة وشعراء وكحولين وعاطلين عن العمل. أثنا عشر طفلا هما الغلاف الجديد لحكاية قديمة. تقدم ذهنه ببطء وأخذ يشم جيفة ميت. هؤلاء هم ابناؤنا وزوار قبورنا- قال. إثنتا عشرة فكرة تعبر الشارع مرحة ً نشطة. إنهم طاحونة المستقبل. نهض وتوجه الى الحمام مرة أخرى. غسل وجهه للمرة العاشرة لكن الأبتسامة مازالت عالقة فيه. لو لم يكن قد تعرض من قبل الى نكبات فنتازية ، لقال وهو يحدق في المرآة كأي رجل عاقل : غير معقول ! لكنه أعتاد على المفاجأت و تجاربه علمته عدم إضاعة الوقت في البحث عن أسباب مآزقه بل البحث عن مخرج الطواريء. خمن ذهنه أن الابتسامة كانت قد أنتقلت الى الرجل من حلم سابق. كان حلما سينمائيا ساذجا لاصلة له بذاكرته أبدا : قبلها من شفتيها. حاول صعود السلم لكنه جلس عند أوله. إبتسم وأسند رأسه الى الجدار. نظفت أسنانها في المطبخ. نادته بصوت مرتفع كي يأتي بشرشف السرير. أرادت أن تغسله. لكنه كان ينزل حينها الى بئر مثل ريشة تترنح في الهواء. كان بعيدا عن الضوء ، ميتا لم يسمع نداءها الاخير. المرأة ماتت بعد حادثة السلم ، بأربع سنوات. وجدوها نائمة على مائدة المطبخ وفي يدها عود تنظيف الاسنان وعليه قطعة لحم بحجم نملة.
هل نقول إن أشعة الشمس كانت تدخل من النافذة أم أن المطر كان يضرب زجاج النافذة بعد ان نظفت المرأة أسنانها جيدا. الحلم نفسه يتكرر كل ليلة. هناك حاجة الى شيء من تلك الموسيقى الكلاسية. أين أختفت حكايات الموت الصغيرة تلك. يالها من سذاجة أبدية في قصص موتنا الجميل. تلك القصص الصغيرة المدببة مثل عود تنظيف الاسنان. لم أبتكرنا كل هذه الاشكال المعقدة لحكايات الجثة. كان ظل عملاق يطرح هذه الأسئلة على الرجل في الحلم.
في الصباح أفاق الرجل مبتسما. رأى بعدها إبتسامته في المرآة. يبدو انها ظلت عالقة بعد الحلم. قال مرة في حوار غير مألوف مع أحد اعضاء جمعية الدفاع عن المنحوسين:
ـ لم أرد أن تراني زوجتي وأبنتي وأنا أبتسم بغباء ، ومن دون سبب. كانت أبتسامة تافهة. كانت عريضة لكنها لم تكشف عن أسناني المهشمة. كانت شفتاي مضمومتين مثل شفتي المهرج. دعكت وجهي بالماء والصابون، لكن الأبتسامة ظلت عالقة. غسلت أسناني ثلاث مرات ، لكنها ظلت ملتصقة مثل حبر ثابت. فكرت : قد تزول مع مطلع النهار وكما يذوب الثلج في صباح مشمس. لاأدري كيف خطرت ببالي مثل هذه الافكار. ثم فجأة شعرت بحر شديد رغم أن الفصل كان شتاء. أرتديت قميصا رياضيا خفيفا، كان مرسوما على ظهره غراب أسود يقف على كرة للعبة السلة رسمت عليها خارطة العالم. أرتديت سروال جينز نظيفا ثم معطفي الشتوي الأسود، وعقدت العزم على حل لغز تلك الابتسامة. الزوجة والبنت تحملتا الكثير. خوفي عليهما من الجنون ، فكوارثي متواصلة في هذا العالم . أنا لست منحوسا ، إذن كفوا عن لصق هذا النعت السخيف بي.
كان الثلج يهبط متراقصا. كان رائعا وجميلا. لأول مرة كانت السماء بمثل هذا السخاء، حين تخلت لي عن كل هذه الجواهر.أحاسيس مثل هذه كنت قد عرفتها من قبل. تستفيق وتشم صباحا ثم تفكر : الحياة مازالت تلائمني. انها لحظات حزن مقنعة تتخفى في أثواب وروائح شتى. أنت تسكر ، فتبكي ، وتظن أنك أزحت حجرا كبيرا كان يسد مجاري يومك الذي كان قد انقضى بضربة موجعة. مر بقربي رجل لا أعرفه يرتدي معطفا شتويا ثقيلا ويلف رقبته بوشاح صوفي، وعلى رأسه قبعة سوداء تكومت فوقها ندف الثلج. ظل ينظر ويلتفت مبتسما إلي عندما سار في الأتجاه المعاكس. أردت ان أبادله الابتسامة. مررت أصابعي على شفتي. إذن لم أكن بحاجة الى أبتسامة جديدة. أكتفيت بالألتفات اليه بسرعة لأقدم له بالمقابل أبتسامتي الحلمية تلك.
دخلت الى مطعم صيني لأحتساء الشاي والتأكد في المرآة من الابتسامة. شاهدت عجوزتين سحاقيتين تحلان الكلمات المتقاطعة. وأرسلت الى زوجتي رسالة ثانية عبر هاتفي أخبرها ،بأنني سأتأخر قليلا في العودة، وسأذهب مباشرة الى الاسواق لشراء المكنسة الكهربائية. كان علي أن أعثر على حل للغز الأبتسامة اللعينة. فكرت في الذهاب الى المستشفى. ربما انا مريض وما الابتسامة إلا جرس انذار. لكن بدل ذلك وجدت نفسي داخل دار السينما وأقطع تذكرة. كنت أشعر بحمى مقرفة تنتشر في الجسم. كانت هناك فتيات تحت ملصق كبير لفيلم الأسبوع المقبل. أبرز ما فيه أنياب دراكولا والدم الذي يقطر من زاويتي فمه. كانت هناك إبتسامة على وجه هذا الوحش. الفتيات جلسن كما لو أنهن في الصف الدراسي.كلهن ألقين علي نظرات جامدة، يشوبها شيء من الخوف. أبتسمن بعدها على التوالي من اليمين الى اليسار. كنت أجلس أمامهن. أدرت لهن ظهري ، بعد أن خلعت معطفي، كي يشاهدن بوضوح كرة السلة والغراب. لاتسألني لم فعلت ذلك. هل لديك أنت جواب على الأبتسامة اللعينة هذه ؟ أردت ان أكون ودودا مع الفتيات واخذت أكتفي بهز رأسي لهن على التوالي من اليسار الى اليمين . ثم تأكدت في مرايا صالة الانتظار من ملامح وجهي. أعترف باني كنت قانعا الى حد ما بأبتسامتي الجديدة هذه. على الأقل لست مرغما كالآخرين على شد عضلات الوجه من أجل الإبتسام. نسيت ان اقول لك ان احدى العجوزين السحاقيتين قالت لي بأن احتفظ بهذه الأبتسامة الجميلة، فالفنلنديون في الشتاء متجهمين وملامحهم كئيبة تزيد من عتمة الشتاء ووحشته.
كان فيلما بكائيا مقرفا متسارع الأيقاع. أحرقت البطلة بيتها على زوجها وأطفالها. وهي تصرخ الآن وتنحب مثل مجنونة أمام النيران، والجيران حولها يضعون أصابعهم على أفواههم كأنهم على وشك التقيؤ. السيدة الأنيقة التي تجلس قربي كان وجهها غارقا بالدموع. ألتفتت ببطء صوبي ثم تمتمت بهلع : خنزير! ألتفت إليها وانا غير مصدّق ، ثم إلتفتت لكن هذه المرة بوقاحة وهي غارقة بدموعها التي شوّهت ماكياجها.أخذت تنقل بصرها مثل المخبولة بين مصيبة بطلة الفيلم وبين وجهي البشوش. كان يبدو أنها مشمئزة تريد ان تصفعني بسبب أبتسامتي. أردت ان اشرح لها الأمر: انا لا أبتسم على ماحصل للمرأة وبيتها ، سيدتي ! ( رغم انها قحبة مثلك ) أنا أفقت اليوم وهذه الابتسامة قد فرضت عليّ !
تجاهلت المرأة، وحاولت التظاهر بالشفقة على حال إمرأة الفيلم التي أخذت مسدسا من حزامها واطلقت النار على رأسها وسط جموع الناس ، الذين سرعان ما تفرقوا عندما وصلت سيارات الاطفاء.
حين اضيئت أنوار الصالة، نهضت السيدة الأنيقة وشتمتني هذه المرة بصوت عال: حيوان ، ابن عاهرة !
ألتفت الجمهور ناحيتنا. لكنهم لم يفعلوا شيئا سوى أنهم ظلوا يبتسمون وهم يحدقون في وجهي. هل يبتسمون من الشتمية أم من الغراب فوق الكرة أم لأنني جابهت شتائم المرأة بأبتسامتي الباردة ؟ لابد من التخلص باسرع ما يمكن من هذه الأبتسامة. أتصلت بي زوجتي ، لكني كذبت حين قلت لها بأنني ما زلت ابحث عن مكنسة كهربائية مناسبة.
أستمر الثلج بالهطول وزاد من تألقه حين هبت ريح خفيفة وتركته يهطل منحرفا. شعرت بالخوف والأرتباك عندما تصورت أن هذه الإبتسامة قد تظهر أثناء وقوع إحدى المصائب. ماذا لو دهست حافلة ٌ أحدهم الآن وخرجت مصارينه من مؤخرته. أكيد سيكون هناك جمهور مرعوب. ماذا لو انتبهوا الى ابتسامتي وأنا اشاركهم هذه الفرجة المجانية. من دون شك سيشبعونني ضربا. كيف سأشرح لهم أن لا علاقة لإبتسامتي بما حدث. او من سيحتمل ان تبتسم في وجهه مثلا، وطفله الرضيع بين يديه يموت جوعا. يمكنك ان تفسر له بهدوء بأنك تبتسم ساخرا من الحياة التي أخرجت هذا الطفل من دون سبب ولتأخذه برفسة في المعدة ومن دون سبب ايضا. لكن ألا يطعنك أب الطفل وأمه بالسكين ويمزقان هذا الحيوان غليظ القلب. هرولت بأتجاه بار قريب. ينبغي حماية الجسد وليس الأفكار. ان تفقد السيطرة على التحكم بالايماءات الجماعية المتوارثة التي توحدنا في الفزع والسعادة !
شعرت بمغص في المعدة حين دخلت البار الذي كان مزدحما بصورة مريبة. الفنلنديون مبكرون جدا في كرع الكحول. دخولي الى البار صار حفلة من الأبتسامات، لكنها تبددت تدريجيا وتحولت الى ضحكات وتعليقات متفرقة كانت بالأحرى شتائم سريعة. اول الأمر لم افهم سبب تردد النادل عندما طلبت بيرة. قال بعدها :عليك ان تحتسي بيرتك بسرعة وتنصرف. ألتفت بدوري ناحية الزبائن غاضبا ، على مثل هذا الأستقبال غير الودي. اي بار هذا ؟ قلتها بصوت عال ، لكنني كما تعرفون كنت أبتسم رغما عني. ربما أصابهم الظن باني مجرد حيوان أليف تجاوز حصته المقررة. كان هناك أربعة شبان حليقو الرؤوس أرتدوا المعاطف الجلدية السوداء. عندها فقط، أدركت حينها أنه بار للنازيين الجدد. كانوا يسخرون من جرأتي أو حماقتي. كانوا يلتفتون ناحيتي بين كأس وآخرى مطلقين النكات والشتائم القبيحة. ثم وقف أحدهم وأخرج قضيبه ولوح به في وجهي. ثم أنفجر الجميع بالضحك ومعهم النادل. فكرت بأن أتمالك نفسي وأشرب البيرة سريعا ثم الهرب من هذه المصيدة القذرة. لكني كنت غبيا : تصنعت الشجاعة واللامبالاة. جلست هناك وكأنني قبطان يبتسم في سفينته. لكن النادل ، أبن القحبة هذا، طلب مني مغادرة المكان فورا خشية المشاكل. بالطبع سررت لهذا الطرد.وهكذا تركت بار النازيين مثل فأر مفزوع. اليوم هو الأحد، وانا كنت أظنه يوم الأثنين. تذكرت ذلك اخيرا ، وفكرت بأن زوجتي غاضبة حين كانت تسمعني وتقرأ رسائلي الهاتفية. أي أسواق هذه التي تفتح أبوابها يوم الأحد. والآن اي كذبة أخرى يمكن ان اختلق للتستر على كذبتي الاولى. فكرت أن أعود الى البيت وأعترف لزوجتي بكل شئ. ستكون الأبتسامة الدليل على صدقي. لكن مشاعري كانت متضاربة. بعدها دخلت الى دكان صغير واشتريت ست زجاجات بيرة وذهبت الى الحديقة العامة. هل حقا أنا سيء الحظ ، أم انني خلقت عن طريق الخطأ.
كانت الشوارع فارغة ، والريح تعبث بها، وتحدث ضجيجا حين تعبث بالأشياء وتريد زحزحتها من مكانها. قلبت الريح لافتة أسعار كانت مركونة قرب مطعم مغلق. ثم جاءت بعلبة كارتونية كبيرة كانت تتطاير كأنها نصف جسد ممزق. كانت هناك علب سجائر فارغة تتراكض. دندنتُ بلحن لاشعوريا. أردت الغناء لكني لم أعرف أي أغنية سأختارها. لم تكن في رأسي أي كلمات لأي أغنية. داهمني فزع خفيف: هل شفطت كلمات الاغاني من ذاكرتي الى هذه الدرجة. لم أقدر إلا على أبتكار بعض الالحان الصغيرة. واصلت الدندنة على أمل أن أعثر على كلمة بعد قليل. لكن دموعا غبية نزلت بدل الكلمات. جاءت الريح بكيس أبيض فارغ مر سريعا قرب اذني وأطفأ اللحن. لقد أفزعني. دار الكيس حول نفسه عند تقاطع الشارع وكأنه يريد أن يحدد الأتجاه الذي سينطلق فيه. أرتفع قليلا حائرا ثم هبط مترنحا على الأسفلت. سحلته الريح رغما عنه هذه المرة ، و تركته قرب النفايات التي تجمعت عند فوهة بالوعة الشارع.
وصلت الى الحديقة مفكرا بالكذبة على زوجتي. أكيد انها واثقة بأنني على موعد مع امرأة. هي تغلي الان غضبا و تحشر ملابسي في حقيبة استعدادا لطردي.
خيل لي أول الأمر وأنا أنظر من خلال الأشجار الكثيفة، بأن الريح قد حملت أكياسا سوداء اخرى . لكنها في الحقيقة حملت أولئك الشبان الأربعة حليقي الروؤس. بغريزة حيوانية شعرت بالخطر. شممت روائحهم حين اقتربوا مني ، وقفت أنا من دون سبب للتبول، خلف شجرة عملاقة. أحاطني أثنان من اليمين و آخران من اليسار. بدوا كأنهم الملائكة الحراس. أخرجوا عتلاتهم وتبولوا بشدة جميعا مثل حمير لم تتبول منذ سنوات. كانوا يتبولون وهم يرمقونني بنظرة جامدة وساخرة بسبب قضيبي الذي لم تنزل منه قطرة واحدة من شدة الخوف. كنت فريسة سهلة وجبانة. كان ضجيج بولهم المتدفق بجنون ، يملأ وحده المكان، مثل شلال يهدر في العتمة، بعدها هدأت الريح ، او أنها تواطأت لفسح المجال أمام معزوفة البول وروائحه، التي كانت تصعد الى دماغي مثل غازات الأعصاب السامة ، او لعل الريح كانت تشتهي أن تهب السماء فرجة مجانية.
انتهى كل شيئ بسرعة خاطفة. بالوا دفعة واحدة كل غرائز الحيوان الممكنة في دقائق معدودات واشبعوني ضربا. ثم ركضوا وكأن الريح حملتهم وأخفتهم بين طيات ثوبها الوقور ثم عادت للعمل بعد ان أدى الشباب مهمتهم على خير وجه. كنت أنزف من أذني و منخريّ وأسناني و عيني ومن منخري روحي المسدودين أيضا. حاولت النهوض. تمنيت لو أن هذه الريح العبدة بطاعتها العمياء وولائها للسماء، أن تحملني أنا الآخر. لكنها لم تفعل. كانت تحمل كل شيء عدا جسدي الفارغ الذي ظل ينزف قرب الشجرة كما لو أن ما حدث كان من رواية هزلية مليئة بالمآزق التافهة. شاهدت أكياسا فارغة من كل لون و شكل. كانت تحلق فوقي بسرعة جنونية وكأنها تقدم لي عرضا خاصا من بقايا العظام والأزمان والأماكن. كما بدا لم تكن راضية عني، ونافخها أيضا. مر كيس رصاصي اللون ممزق، عرفت أنه عباءة أمي. مر دماغ محترق لكن بأجنحة عملاقة. مر سرب من الاسماك حاملا فتاتا من لحم بنت صغيرة . مرت أفاعي الحصار الطائرة ملتفة حول طعامها من البشر والاحلام. مرت جميع ألبسة زوجتي الداخلية وكان أحدها يقطر دما ، و الآخر منيا، والذي يليه حبرا، وهكذا. مرت دفاتري القديمة تصفق بأغلفتها. عقارب في زجاجة مرت. قمصاني الصيفية. الأدوية الفاسدة وعلب حليب الاطفال. الخبز مر بجناحين من خراء. مرت قصائد وهي تتبول على نفسها مثل أطفال معوقين. مع كلابهم الوحشية مرّ الجنود حراس الحدود التي عبرتها مشيا . اخي الأحول يلبس عمامة الأمام. مرت أصابعي مقطوعة ومدماة. مرت ابنتي مريم في عربة اطفال وهي ممسوخة من فرط حبي لها. مرت زوجتي وهي تعزف على بوق يخرح صوتا كطائر البوم.
مرت حياتي ورقة ورقة. مرت مآزقي ورقة ورقة. ولم ينته مرورهما حتى بعد أن أغمضت عيني. كان قد هيمن علي الألم والدوار . ومرت الأوراق في العتمة بيضاء ورقة ورقة.

في المساء كان الرجل يتمدد فوق السرير في المستشفى وهو يبتسم لزوجته وابنته التي كانت تحمل زهورا جميلة.
- لماذا تبتسم هكذا ياأبي ؟
سألته مريم بدهشة.

.......................
* من أقوال ألبير كامي.

2007