السبت، 7 نوفمبر، 2009

شاحنة برلين





هذه القصة حدثت في الظلام. ولو قدر لي ان أكتبها مرة أخرى ، لكتبت فقط ماأطلق حينها من صيحات فزع و تلك الاصوات الأخرى الغامضة التي رافقت المجرزة. يصلح قسم مهم من القصة لعمل اذاعي تجريبي. أكيد أن غالبية القراء ترى القصة مجرد تلفيق قام به كاتب قصصي او قد تكون مجازا متواضعا عن الرعب. لكنني لا أجد أن هناك حاجة الى أن اقسم كي تصدقوا بغرابة هذا العالم . حاجتي هي كتابة هذه القصة ، كلطخة خراء في قمصان النوم ، ولربما لطخة على شكل زهرة برية.
في صيف عام 2000 كنت أعمل في بار وسط أسطنبول. أعانتني هنا لغتي الانكليزية الركيكة ، فزبائن البار كانوا من السياح ، واغلبهم من الالمان الذين كانوا يتحدثون بانكليزية مضحكة ايضا. كنت هاربا حينها من جحيم سنوات الحصار الاقتصادي. لاخوفا من الجوع ولا من الديكتاتور، بل كنت هاربا من نفسي . ومن وحوش أخرى. كان الخوف من المجهول في تلك السنوات القاسية يضاعف من طمس هوية الأنتماء الى الواقع المألوف ويدفع الى السطح بوحشية كانت مطمورة تحت حاجات الأنسان اليومية البسيطة. في تلك السنوات شاعت قسوة حيوانية دنيئة سببها الخوف من الموت جوعا. كنت اشعر بأنني مهدد بالتحول الى فأر.
جمعت نقودا من ذلك العمل ودفعتها لمهربي مواشي الشرق البشرية الى مزارع الغرب . كانت هناك طرق للتهريب تختلف أسعارها :سفر جوي بجواز مزور إلا أنها تكلف كثيرا. هناك المشي مع المهرب عبر غابات وأنهار الحدود، وهذه أرخصها . هناك طريق البحر وطريق الشاحنات الذي كنت قد فكرت فيه. رغم انني كنت قلقا بسبب حكاية الجهاز الذي تستخدمه الشرطة في قياس ثاني أوكسيد الكربون في الشاحنات لكشف أنفاس من يختبأون فيها. لكن ليس هذا الجهاز قد دفعني الى التخلي عن فكرة العبور بالشاحنة ، بل حكاية علي الأفغاني و مجزرة شاحنة برلين. كان الأفغاني كنزا من كنوز حكايات التهريب. سكن عشر سنوات في اسطنبول بصورة غير قانونية. عمل في التزوير وبيع المخدرات لينفق مايجمعه على العاهرات الروسيات ورشوة الشرطة. بعضهم سخر مني لتصديقي حكاية شاحنة برلين. في الحقيقة لدي أكثر من دافع الى تصديق مثل هذه الحكايات. فالعالم بالنسبة لي هش جدا ومخيف ولاانساني ، وهو لايحتاج إلا الى رجة صغيرة ليخرج فظاعاته وأنيابه البدائية. بالطبع أنتم تعرفون قصصا تراجيدية كثيرة عن مثل هذه الهجرة ورعبها من وسائل الاعلام التي تركز قبل كل شيء على غرق المهاجرين . وأنا أجد أن مثل هذا الغرق الجماعي هو مشهد سينمائي ممتع شبيه بتايتانيك جديدة لدى الجمهور. فمثلا لا ينقل الاعلام اخبار قصص الكوميديا السوداء ومثلما لاتصلكم أخبار ماتفعله الجيوش الأوربية الديمقراطية حين تمسك ليلا ، في غابة عملاقة ، مجموعة من البشر المذعورين ، والمنقوعين بالمطر والجوع والبرد. شاهدت كيف ضرب جنود بلغار شابا باكستانيا بالمسحاة حتى فقده الوعي . ثم طلبوا منا جميعا ان ننزل في ذاك الزمهرير الى نهر شبه منجمد . حصل هذا قبل أن يسلمونا الى الجيش التركي.
يقول علي الأفغاني إنهم كانوا خمسة وثلاثون شابا عراقيا . شبان حالمون أتفقوا مع مهرب تركي لنقلهم بشاحنة مغلقة لتصدير الفواكه المعلبة من أسطنبول حتى برلين. كان الأتفاق لهذه الصورة : يدفع كل واحد أربعة الاف دولار، على رحلة أمدها سبعة أيام فقط . والشاحنة تسير في الليل وتتوقف في النهار عند مدن حدودية صغيرة. وكل من يريد أن يتغوط عليه أن يفعل ذلك في النهار ،أما التبول فمسموح به أثناء الليل داخل الشاحنة في قناني الماء الفارغة. ممنوع حمل أي هاتف خلوي أثناء الرحلة. على الجميع أن يلتزم الهدوء وأن يكتم أنفاسه أثناء التوقف في نقطة حدودية او أشارة مرورية وأن لايحصل أبدا أي شجار . لكن ماكان يقلق مجموعة شاحنة برلين الحكاية التي تشرتها قبل أيام الصحف التركية حول مجموعة من الأفغان الذي دفعوا لمهرب أيراني مبالغ كبيرة لنقلهم في شاحنة الى اليونان. سارت الشاحنة بهم ليلة بكاملها . وقبل بزوغ الفجر توقفت الشاحنة ، وأمرهم المهرب بالنزول بهدوء وأعلمهم أنهم قد وصلوا الى مدينة يونانية حدودية. نزل الأفغان وهم يحضنون حقائبهم بأحاسيس هي مزيج من الفرح والخوف ، وجلسوا تحت شجرة عملاقة. قال المهرب انها غابة يونانية صغيرة ، وكل ماعليهم الأنتظار حتى الصباح ، وحين تصل الشرطة اليونانية ، عليهم ان يتقدموا فورا بطلب اللجوء. في الصباح نشرت الصحف صورة الأفغان الجالسين في حديقة عامة وسط أسطنبول. لقد دارت بهم الشاحنة طوال الليل في شوارع أسطنبول ولم تخرج حتى الى ضواحي المدينة. ومثل جميع قصص النصب والاحتيال ، أختفى المهرب وشاحنته وزج الأفغان في سجن الترحيل.
لكن جماعة شاحنة برلين لم يكن أمامها خيار آخر سوى المغامرة. فالخوف من حكايات النصب، يعني الشلل وضياع الأمل والعودة الى بلد يخنقه الجوع والظلم. ثم أنهم أعتمدوا على سمعة المهرب الشهير . قالوا لهم انه أفضل المهربين في تركيا كلها و أشدهم نزاهة. و لغايتها لم يلق الفشل كما لم يخدع أحدا. إنه رجل ملتزم بدينه، و حج ثلاث مرات ، لهذا كانوا يلقبونه بالحاج ابراهيم.
انطلقت شاحنة الحاج أبراهيم من اسطنبول ليلا، بعد أن تزود (الزبائن )بقناني الماء والطعام. كان الظلام و الحر شديدين داخل الشاحنة ،وكان الهواء يتسرب الى الداخل من ثقوب صغيرة غير مرئية. كان الخوف من نفاد الهواء، يدفع الشبان للتنفس بسرعة مثل من يستعد للغطس في نهر. بعد خمس ساعات من سير الشاحنة، كانت رائحة الأجساد والجوارب المتعفنة والطعام المتبل الذي كان يلتهمونه في الظلام، يضاعف الإختناق . لكن الليلة الأولى كانت ناجحة. في الصباح توقفت الشاحنة في مرآب في قرية حدودية ،و فتح باب الشاحنة الخلفي، تنفس الزبائن وتجدد الأمل في صدورهم. كان المرآب عبارة عن زريبة سابقة. وأشرف على عملية التغوط شابين. لم يكن مسموحا حتى النزول من الشاحنة الى الزريبة، ولا السؤال عن مكان القرية وفي أي بلد هي . أحد الشابين يأخذهم حسب الدور الى مرحاض صغير وقذر للغاية في زاوية الزريبة . و الآخر كان يشتري لهم الماء او الطعام ، ويعود في اخر النهار.
في الليلة الثانية كانت هناك سيارة مرسيدس تسير على مسافة بعيدة من شاحنة برلين لتأمين الطريق وتزويد سائق الشاحنة بالمعلومات. سارت شاحنة برلين طوال الليلة الثانية بسلام ولم تتوقف الا ثلاث مرات لوقت بالغ القصر . في النهار ادخلوهم هذه المرة مرآبا كبيرا ييه شاحنات اخرى. وكان سهلا سماع ضوضاء المدينة.
سيارة جيب عسكرية كانت تسير أمام الشاحنة في الليلة الثالثة لتأمين الطريق. لم تقطع شاحنة برلين في رحلتها الليلية هذه المرة ،سوى خمس ساعات، فقد توقفت فجأة و أستدارت الشاحنة وعادت أدراجها بسرعة جنونية. أنقبضت قلوب الشبان في ظلام الشاحنة وأحسوا بارتباك سائق الشاحنة من خلال قيادته الجنونية. اخذوا يهمهون وقرأ بعضهم الأدعية والآيات القرآنية في سره أو بصوت خافت. كان هناك شاب صغير أخذ يعيد قراءة آية الكرسي بصوت مسموع، كان صوته جميلا خدشته نبرة بكاء وضاعف من هلع المسافرين. سارت الشاحنة بتلك السرعة مايقارب الساعة ثم عادت وتوقفت من جديد. بعدها بربع ساعة إستأنفت الرحلة بسرعة متوسطة ، لكن اتجاه السير التبس على الشبان الذين انقسموا بين مؤيد لفكرة ان الشاحنة تعود أدراجها وبين من يعتقد انها تواصل الرحلة. كان الشبان على إعتقاد بأن مافايات التهريب هي التي توجه سائق الشاحنة عبر الهاتف الخلوي حسب ظروف الطريق ومخاطره مثل دوريات الشرطة. شعر الركاب بان الشاحنة اخذت تسير على طريق ترابي متعرج. توقفت الشاحنة فجأة وأطفأ السائق محرك السيارة وعم صمت مريب وغامض داخل شاحنة برلين. صمت شيطاني سيفرخ معجزة وحكاية لاتصدق.
أنتظر الشبان الخمسة والثلاثون أكثر من ثلاث ساعات في ظلام الشاحنة. كانوا يتهامسون عما حدث . أراد بعضهم التلصص من خلال الثقوب البالغة الصغر قرب باب الشاحنة الخلفي . كانت ساعاتهم اليدوية تشير الى السابعة وعشرة دقائق صباحا. وكان وقت التزود بالماء ، فمازال هناك ما يكفي من الطعام ، لكن الماء ينفد بسرعة ثم أن هناك الحاجة الى التغوط . وهكذا بدأ التذمر . أخذ بعضهم بركل جدران الشاحنة ومناداة من كان خارج الشاحنة. أعترض ثلاثة شبان وطلبوا من البقية الهدوء. كانت رائحة شجار عالقة في ذاك الهواء الشحيح والمكهرب. كان يتحادثون حسب مصدر الصوت. ويرى بعضهم بعضا مجرد ظلال داكنة. وعند منتصف النهار كان الجميع تقريبا يطرق على جدران الشاحنة وبابها الخلفي وهم ينادون ويستغيثون. كان هناك من تغوط في أكياس الطعام. وكانت الرائحة الفظيعة تتراكم داخل الشاحنة مثل طبقات من الحجر، و تشبه أنفاس الشبان مجتمعة كأن وحشا يتنفس بصخب في الظلام. وهزمت الرائحة والخوف أعصاب الجميع. فقد نشب شجار و عراك بالأيدي في الظلام، ثم إتسعت دائرة هذا العراك.وبعدها بساعة واحدة هدأت الحال. فالعطش أعاد الهدوء. وجلسوا يتهامسون ويتكهنون بأصوات خفيضة وكأنهم خلية من النحل . وبين حين وآخر كان أحدهم يطلق شتيمة او يركل جدران الشاحنة. كان أغلب الشبان يحرص في تلك اللحظات على ان يخبأ ماتبقى له من طعام وماء في داخل الحقائب،
رغم الظلام الأسود الذي لم تميز فيه الوجه عن القدم قام هذا وذاك بأفعال لايمليها ما كان يحدث : واحد يربط حذاءه و ثان ينزع ساعته اليدوية ويخبئها في جيبه وثالث يغير قميصه في مثل ذلك الظلام . هكذا هي مخيلة الانسان . تنشط بغرابة في مثل هذه المواقف متحولة الى جرس انذار وحبوب مهلوسة.
في نهار اليوم التالي كانت هناك فوضى عارمة. أراد شبان صغار فيهم مايكفي من الطاقة للتشبث بالحياة ، كسر باب الشاحنة ، وأخرون إستمروا بالصراخ و الطرق على الجدران . واحد توسل وإستغاث من أجل جرعة ماء . أصوات ضراط وشتائم . ايات قرانية وادعية قرأوها بصوت عال. بعضهم أصابه اليأس وجلس يفكر في حياته مثل مريض يحتضر. اما الروا ئح فكانت لاتطاق وكفيلة بإبادة أكثر من سرب واحد من الطيور التي كانت تحلق فوق رؤوسهم . أنا لا أكتب الآن عن تلك الآصوات والروائح التي أطلقت واختفت في دروب الهجرة السرية ،بل عن تلك الصرخة المدوّية الوحشية التي دوّت بغتة في الفوضى. بدت كأنها قوة مجهولة جعلت من صخب الشاحنة وفوضاها طبقة قاسية من الجليد. خيّم صمت كثيف لزج يسمح لك بسماع دقات قلب كل مسافر، كانت صرخة خارجة من كهوف لم تفك أسرارها . بعد سماعهم الصرخة أرادوا تخيّل مصدر هذا الصوت اللانساني ، كما اللاحيواني ، والذي زلزل ظلام الشاحنة.
أخذت الشاحنة تهتز بعنف في مكانها ،وأنداح الصراخ و الرعب من جديد. بدوا أفواها لإنسان عملاق شبت فيه النار . نعم ، بدت أصوات الاستغاثة والوجع تلك مثل حمم البراكين هذه المرة . بدا الأمر كأن قسوة الانسان والحيوان ووحوش الحكايات الخرافية قد تكثفت واخذت تعزف لحنا جحيميا مشتركا.
عثرت الشرطة الصربية بعد أربعة أيام على الشاحنة عند أطراف مدينة حدودية صغيرة تحيط بها الغابات من كل الجهات. كانت الشاحنة داخل حقل مهجور للدواجن. ليس مهما الآن ماحدث للمهربين. فهذه قصص متشابهة. ربما علم المهربون بمراقبة الشرطة لتحركاتهم وارادوا الاختباء لبضعة ايام او لسبب تافه اخر له علاقة بخلافات بين مافايات التهريب حول النقود .
حين فتح رجال الشرطة الباب الخلفي للشاحنة ، نط شاب ملطخ بالدماء من داخل الشاحنة و ركض كالمجنون صوب الغابة . طاردته الشرطة. لكنه توارى في تلك الغابة العملاقة . في الشاحنة كانت هناك أربعة وثلاثون جثة . لم تمزقها السكاكين أو أي سلاح آخر بل كانت أجسادا عملت بها مخالب ومناقير نسور وأنياب تماسيح وأدوات مجهولة أخرى. كانت الشاحنة مليئة بالخراء والبول والدم والأكباد الممزقة والعيون المقلوعة والأحشاء تماما كما لو أن ذئابا جائعة كانت هناك. تحول اربعة وثلاثون شابا الى عجينة كبيرة من اللحم والدم والخراء.
يانكوفتش الشرطي الصربي العجوز لم يصدق أحد روايته ، بل سخروا منه .ومن كان معه هناك لم يدعم شهادته.بل أتفقوا معه فيما يخص ذاك الشاب الملطخ بالدماء والذي هرب الى الغابة.. وكانت الصحف الصربية قد تساءلت عن أسباب أختفاء الشاب لكن الشرطة إدعت بأنه عبر الحدود الى هنغاريا.
في السرير يقول يانكوفيتش لزوجته و هو ينظر الى السقف : لست مجنونا يا أمرأة ... أقول لك للمرة الألف ... ما أن دخل الشاب الى الغابة حتى أخذ يعدو على أربع ثم تحول الى ذئب رمادي قبل ان يختفي فيها...


السبت، 11 يوليو، 2009

معرض الجثث



قال لي قبل أن يخرج السكين : بعد دراسة ملف الزبون تكون ملزما بتقديم نبذة مختصرة عن الطريقة المقترحة التي ستقتل فيها زبونك الأول وطريقة أشهار جثته في المدينة. لكن هذا لايعني الموافقة على ماستطرحه في تلك النبذة . سيقوم أحد المختصين بدراسة الطريقة المقترحة لاقرارها او أقتراح طريقة أخرى . هذا النظام يطبق على المحترفين ايضا في كل مراحل عملهم . أريد ان اقول بأن هذا النظام سيبقى ساريا حتى بعد أنتهاء مرحلة التدريب والأختبار التي تمر بها. لاتقلق، ففي كل الأحوال ستتلقى اجورك كاملة. لاأريد أن أخوض في جميع التفاصيل الآن. سأطلعك على الأمور بصورة تدريجية. بعد أن تستلم ملف الزبون لا تستطيع طرح الاسئلة بصورة مباشرة كما في السابق، عليك ان تقدم اسئلتك مكتوبة . جميع الاسئلة واقتراحاتك ونصوصك ستوثق في ملف خاص بك. لايمكنك مطلقا أن تكتب لي عن أمور العمل على بريدي الالكتروني او أن تهاتفني. ستكتب اسئلتك على ورق خاص سأقوم بتزوبدك به لاحقا. المهم ان تتفرغ الآن لدراسة ملف الزبون بدقة وصبر. ارجو ان تطمئن اننا لن نتخلى عن التعامل معك حتى ان فشلت في مهمتك الاولى . ستنتقل في حالة الفشل الى العمل في قسم آخر وبنفس الأجور. لكن علي ان أذكرك مرة اخرى ، لن تكون موفقة ومقبولة فكرة التخلي عن العمل بعد أول أجر تستلمه. لهذه الحالة شروط صارمة، وفي حالة موافقة الادارة على فك الأرتباط معك ، ستخضع لأختبارات عديدة قد تستغرق وقتا طويلا. لدينا في الأرشيف ملفات نحتفظ بها كنماذج من المتعاونين والعملاء الآخرين من الذين قرروا أنهاء عقودهم بأرادتهم . في حالة تفكيرك بالأمر سنقدم لك أحدى هذه النماذج للاطلاع على تجارب الآخرين. انا على ثقة من قدرتك على مواصلة العمل والأستمتاع فيه. وسترى كيف ستتغير حياتك كلها. تفضل ، هذه هي الهدية الاولى ، لاتفتحها الآن. أنه أجرك كاملا. اما الأفلام الوثائقية عن حياة الحيوانات المفترسة يمكنك أن تشتريها وسندفع لك لاحقا ثمنها. حاول ان تراقب نظرة بقايا عظام الفريسة. تذكر دوما يا عزيزي أننا لسنا أرهابيين هدفهم ايقاع أكبر عدد من الضحايا لتخويف الآخرين ،ولا حتى سفاحين مجانين نعمل من أجل المال. لاعلاقة لنا بالجماعات الاسلامية المتطرفة ولابمخابرات دولة مشبوهة ولا بكل هذه الهلوسات. أنا أعرف أن هناك اسئلة تدور الآن في ذهنك . لكنك ستكتشف تدريجيا أن العالم مشيد من أكثر من طابق ، وليس من المنطق أن يصل الجميع الى كل الطوابق والسردايب بسهولة. لاتنس المناصب الرفيعة التي تنتظرك داخل نظام المؤسسة ،إذا إمتلكت مخيلة طازجة ، شرسة ، صادمة . كل جثة تنجزها هي عمل فني ينتظر منك اللمسة الأخيرة، ولتبزغ مثل جوهرة ثمينة وسط حطام هذا البلد. أشهار الجثة أمام الآخرين هو ذروة الأبداع الذي نبحث عنه ونحاول دراسته والافادة منه. أنا لا أطيق شخصيا العملاء ذوي المخيلة المجدبة. لدينا مثلا عميل أسمه الحركي ـ سكين ابليس ـ أتمنى ان يتخلص المسوؤلون عنه بأسرع وقت. فهذا يظن أن تقطيع أوصال الزبون و تعليقه على أسلاك الكهرباء في الأحياء الشعبية هو نهاية الأبداع والأبتكار. أنه مجرد مغرور أحمق. أكره طرقه الكلاسية . رغم أنه يتحدث عن كلاسية جديدة. كل مايفعله هذا الأرعن هو أنه يصبغ أشلاء الزبون بالألوان ويعلقها بخيوط شفافة . القلب بالأزرق الداكن ، المعدة بالأخضر ، الكبد والخصيتين بالأصفر .هكذا من دون فهم شعرية البساطة. أنا أحدثك بشئ من التفصيل ففي عينيك أرى تلك النظرة الحائرة. إهدأ ، تنفس بعمق ، وأصغ الى ايقاع روحك السرية بهدوء وصبر. دعني أوضح لك بعض النقاط بطريقة أفضل فربما تساعدك على التخلص من الاوهام التي تدور في ذهنك. ولأضع بعض الوقت معك. وما سأقوله قد يكون مجرد أنطباعات شخصية ولربما لعضو آخر في الجماعة رأي مغاير تماما. انا أحب الايجاز والبساطة والصورة الصادمة. خذ مثلا العميل ـ الأصم ـ .انه هادئ وله عين ذكية صافية. وأكثر أعماله الفنية القريبة من قلبي هي تلك المرأة المرضعة. في صباح شتائي ممطر. كان جمع من المارة وسائقو السيارات ينظرون الى تلك المرأة العارية البدينة وهي ترضع من ثديها الأيسر طفلها العاري أيضا. وضع المرأة أسفل نخلة ميتة في الجزرة الوسطية لشارع مزدحم . لم يكن هناك اي أثر لجرح او رصاصة لا في جسد المرأة ولا في جسد الطفل. كانت تبدو كأنها حية هي وطفلها تماما مثل جدول ماء صاف. انها العبقرية التي نفتقدها في هذا القرن. كان عليك ان ترى ثديي المرأة الضخمتين، ونحول الطفل الذي يبدو كأنه كومة من العظام مطلية بجلد طفولي فاقع البياض . عجز الكل عن معرفة الطريقة التي قتلت بها المرأة وطفلها . أغلبهم تكهن بإستخدام سم سري لم يصنف بعد. لكن عليك أن تقرأ فقط في أرشيف مكتبتنا تلك النبذة المختصرة الشاعرية التي كتبها ـ الأصم ـ عن عمله الفني الرائع هذا. هو الآن يحتل منصبا مهما في مؤسسة الجماعة. إنه يستحق أكثر من ذلك بكثير. عليك ان تفهم جيدا ان هذه البلاد هي فرصة ثمينة أخرى من فرص هذا القرن. ربما لن يدوم عملنا طويلا . فما أن تستقر أحوال هذا البلد سنغادر مرغمين الى بلد آخر. لاتقلق ، هناك أمكان عديدة مرشحة للعمل. أسمع ... كانت لدينا دروس كلاسيكية في الماضي نعرضها على الطلاب الجدد من أمثالك. لكن الأمر تغير الآن كثيرا . اصبح الأعتماد على ديمقراطية المخيلة وعفويتها وليس التلقين. أنا درست طويلا وقرأت الكثير من الكتب المملة التي تبرر مانقوم به وقبل أن أتمكن من العمل بطريقة مهنية. كنا ندرس بحوثا تتحدث عن السلام . دروس مكتوبة ببلاغة مقرفة حقا. كان هناك الكثير من الأمثلة الساذجة والتي لاحاجة إليها ْ لتبرير كل شئ. كان أحدهم يكتب عن قضية تتحدث عن أن كل أدوية الصيدلية ، بل حتى معجون الأسنان البسيط، قد أنتج بعد التجارب المختبرية على فئران وحيوانات أخرى. إذن لايمكن تحقيق السلام على هذه الأرض من دون التضحية ببشر المختبرات أيضا. مثل هذه الدروس القديمة كانت تبعث الملل واليأس. وجيلكم محظوط للغاية في عصر الفرص الذهبية هذا. ممثلة سينمائية تلعق البوظة قد تجلب عشرات الصور والاخبار التي تصل حتى الى أبعد قرية تتضور جوعا ، في هذه الارض ، طاحونة الصراخ والرقص. وهذا يحقق على الأقل ما أسميه بعدالة التعرف على تفاهة العالم وجوهره الملتبس. فمابالك بجثة معروضة بطريقة مبدعة وسط المدينة. ربما تماديت كثيرا في الحديث معك. لكن دعني اصارحك بأني أشفق عليك. فأنت إما أن تكون أحمق او عبقريا. وهذا النوع من العملاء يثير فضولي. أن كنت عبقريا فهذا أمر مسّر. انا مازلت اؤمن بالعبقرية رغم ان أغلب اعضاء الجماعة يتحدث عن التجربة والخبرة. اوإذا كنت أحمق فدعني أروي لك وقبل أن أنصرف،حكاية قصيرة ومفيدة عن أحد الحمقى الذين حاولوا ان يلعبوا معنا بسذاجة. حتى لقبه لم يكن يعجبني. ( المسمار ) . بعد أن وافقت اللجنة على الطريقة التي أقترحها المسمار لقتل زبونه وأشهار جثته في مطعم كبير ، انتظرنا النتائج. لكن هذا تأخر طويلا في أنجاز عمله. التقيت به أكثر من مرة وسألته عن سبب التأخير. كان يقول انه لايريد أن يكرر أسلوب من سبقوه . ويفكر بتحقيق طفرة مبدعة جديدة في العمل. لكن الحقيقة كانت غير ذلك. كان المسمار جبانا تسربت الى داخله مشاعر انسانية تافهة وأخذ يتسآءل مثل كل مريض عن جدوى قتل الآخرين وعما إذا كان هناك خالق يراقب كل اعمالنا. وهذا كان يعني بداية الهاوية. فكل طفل يولد في هذا العالم هو مجرد أحتمال. اما أن يكون طيبا او شريرا حسب تصنيف مدارس التربية الدينية في هذا العالم الأخرق. لكن الأمر مختلف بالنسبة لنا. كل طفل يولد ماهو الا زيادة في حمولة المركب الذي هو على وشك الغرق. على كل حال ، دعني الآن أحكي لك عما حدث للمسمار الذي سار بنفسه صوب حتفه : كان له قريب يعمل حارسا في المستشفى وسط المدينة. كان المسمار يفكر في التسلل الى مشرحة الموتى في المستشفى وأختيار جثة بدل أن يصنع جثته بنفسه. وقد تحقق ذلك له بسهولة بعد أن قدم لقريبه نصف الأجر الذي تلقاه من الجماعة. كانت المشرحة مكتظة بالجثث التي خلفتها تلك الأعمال الارهابية الساذجة. جثث تمزقت في أنفجارت سيارات مفخخة وأخرى قطعت روؤسها في تصفيات طائفية وجثث أنتفخت في قاع النهر ، و أخرى عديدة غبية كانت قد أنجزت بفعل أعمال قتل عشوائية لاتمت بصلة الى الفن. تسلل المسمار في تلك الليلة الى مشرحة المستشفى وراح يبحث عن الجثة المناسبة لأشهارها أمام الجمهور. كان المسمار يبحث عن جثث الاطفال لأنه قدم في تقريره الأول فكرة عن نهاية طفل في السادسة من عمره .
في المشرحة كانت هناك نماذج من جثث أطفال المدارس التي مزقتها السيارات المفخخة او المحترقة في أحد الأسواق الشعبية أو أشلاء مبعثرة بعد قصف الطائرات للبيوت. أخيرا أختار (المسمار ) جثة طفل فصلوا رأسه مع رؤوس عائلته لأسباب طائفية. كانت الجثة نظيفة وبدت حواف الرقبة كأنها اطراف ورقة ممزقة. فكر ( المسمار ) في عرض هذه الجثة في مطعم وأن يضع على المائدة عيون أفراد عائلته مقدمة في صحون الدم كحساء. ربما كانت فكرة جميلة . لكن قبل كل شيء كان عمله تزويرا وخيانة. فلو كان قد فصل رأس الطفل بنفسه لجاء ذلك عملا فنيا أصيلا . لكن أن يقوم بالسرقة من مشرحة الموتى ويعمل بهذه الطريقة الوقحة ، هو عار وجبن في الوقت ذاته. لكنه لم يفقه ان العالم اليوم متصل ببعضه بعض بأكثر من نفق ودهليز. كان مرمم الجثث هو الذي قد قبض على المسمار وقبل ان يخدع الجمهور المسكين. كان مرمم الجثث في بداية الستين من عمره. رجل عملاق. أزدهر عمله في المشرحة بعد أن تكاثرت الجثث الممزقة في البلاد. كان الناس يقصدونه كي يرمم جثث أبنائهم وذويهم الذين مزقتهم الأنفجارات والقتل العشوائي . كانوا يدفعون بسخاء لكي يعيد أبناءهم الى صورهم الأولى التي عرفوهم بها . كان مرمم الجثث فنانا كبيرا حقا. وكان يعمل بصبر وبحب هائل. اقتاد المسمار في تلك الليلة الى غرفة جانبية في المشرحة وأحكم اغلاق الباب. بعد أن حقن المسمار بحقنة مخدرة ، تركته مشلولا عن الحركة من دون أن يفقد وعيه. مدده على طاولة التشريح وأوثق يديه وساقيه وكمم فمه. وكان يدندن بأغنية أطفال جميلة بصوته النسائي الغريب وهو يحضر طاولة عمله. أغنية تحدثت عن طفل يصطاد الضفادع في بركة دم صغيرة. وكان من حين الى آخر يمسد بحنان شعر المسمار ويهمس في أذنه : اوه عزيزي .. اوه صديقي ... هناك ماهو أغرب من الموت ، أن تنظر الى العالم الذي ينظر اليك، لكن من دون اي اشارة او فهم او حتى قصد. وكأنك والعالم ، متحدان بعماوة ، مثل الصمت والوحدة. وهناك ماهو أغرب من الموت بقليل : رجل وامرأة يلعبان في السرير، فتأتي انت لاغيرك . انت الذي تكتب دوما قصة حياتك بالخطأ.
وكان مرمم الجثث قد أنهى العمل في ساعة مبكرة من الصباح.
امام باب وزارة العدل كانت هناك منصة مثل منصات تماثيل المدينة مشيدة من عجينة اللحم والعظام. فوق المنصة ينتصب عمود من البرونز علق عليه جلد المسمار المسلوخ كاملا ببراعة كبيرة. كان يرفرف مثل علم نصر. وكان يمكنك أن ترى بوضوح في الجزء الامامي من المنصة العين اليمنى للمسمار مثبته في عجينة لحمه. كانت لها نظرة تشبة نظرة عينيك التافهة الآن. هل تعرف من هو المرمم. انه مسوؤل اهم قسم في المؤسسة. انه مسوؤل قسم الحقيقة والابداع.
ثم طعنني بالسكين في بطني ، وقال : انت ترتجف ..


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
معرض الجثث من ضمن مجموعة قصصية صدرت باللغة الانكليزية عن دار كومابريس في انكلترا 2009
رابط المجموعة القصصية باللغة الانكليزية

الأحد، 26 أبريل، 2009

فلسفة الحفرة








ذات نهار خريفي يشبه مزاج الدورة الشهرية لفتاة يافعة ، كنت أعدو في الغابة لممارسة الرياضة وسقطت في حفرة منطقية جدا - حفرة بسيطة و واقعية الى حد القرف : حفرة من حفر هذا العالم . والأكثر واقعية هو ما كان موجودا في الحفرة : رجل نحيل أخبرني أنه سقط في الحفرة قبل يومين أثناء تنزهه في الغابة لمراقبة الطيور بواسطة منظار عسكري.

من الذي سيستجيب الى دعائنا الانساني الكئيب طوال الليل ( ياخالق البعوضة والبحر .. دع رجلا آخر ، أو إمرأة ، يسقط في الحفرة .. ) فعمق الحفرة هو السخرية والفزع في آن واحد. لو صعد الرجل مثلا فوق كتفي، لأحتجنا فقط الى شخص ثالث يتسلق كتفينا ثم يخرج من فوهة الحفرة ( ياصاحب المعجزات ، يا قدير ، يامراقب، دع زرافة أو قردا أو رجلا طوله متر و ستون سنتميترا فقط يهوي في الحفرة ، دع شجرة يابسة تسقط في الحفرة ، إرم لنا أربعة أفاع كي نصنع منها حبلا .. )

في صباح اليوم التالي ارسلت السماء مطرا غزيرا مباركا. قبلها كنت قد تغوطت وتبولت، وشممت رائحة الموت في عيني صاحبي. كنا نقف ـ مثل تمثالين في مشغل نحات لم ينه العمل فيهما ـ بانتظار ان تمتلأ الحفرة بالماء و نطفو الى الحياة من جديد. أكيد أن فكرة أمتلاء الحفرة بالماء أمل كئيب لكنه لايخلو من المجازفة. الفكرة بدت لنا الطوق الوحيد لنجاتنا. لحظتها تخيلت أشياء غريبة ربما كانت تضاعف من تفاهة وخطورة المأزق بطريقة لا تخلو من الإضحاك: نسخ مكررة من أثداء امرأة معلقة على جدار أبيض في مطعم. جسر يصل البحر بالغابة . مكنسة الساحرات في أفلام الرسوم المتحركة . أحدهم يمد أصبعه في مؤخرته ويرسم على جدار زجاجي وردة. بينما كان الآخر يطلق عتابه بصوت حنون ( ياخالق الدودة والكون .. خلصني ... ). وعندما خيم الليل طفونا في الماء الذي ملأ الحفرة الى النصف. رافعين رؤوسنا صوب السماء ، متضرعين أن يعود المطر من جديد.

ولكان نداء أسطوريا جميلا، لو صاحت الغابة بأعلى صوت : هناك من سقط في الحفرة ... هوووه ... يا هوووو ... إنه الانسان الذي يعجز عن الخروج من حفرة صغيرة ... كان قد سقط ... النجدة ... النجدة ... الانسان ... الحفرة ...النجدة ...

وقبل أن يلفظ صاحبي أنفاسه الأخيرة قال وهو يرتجف من شدة البرد واليأس :
ـ أنظر ... نسر في السماء ...

اما انا فخرجت من الحفرة بعد موت صاحبي بقليل. ونجوت. وكان السبب معجزة أخرى واقعية جدا ، صدفة بسيطة كانت أكثر من عادية لاتستحق الذكر .حتى أني لاأذكرها كي لاتتحول هذه الحفرة الى مبالغة أدبية. اقصد الخوف من كارثة أن يكون الشعر هو الطريق الوحيد لتقصي الحقيقة...
غموض المأزق كما تعرفون !
هي فلسفة الغائط ...

الأحد، 22 فبراير، 2009

صوت من الثلاجة










ـ لن اهتم ، فغدا ً أنا ميت ...
أطبطب على كتفي ليل نهار بهذه الحكمة الخاملة
حكمة تعرج ، بسبب شياطين الحياة ...
حياتي تشبه أحشاء بقرة مبعثرة في دكان القصاب، و اشعر اني أعيش في هلسنكي منذ قرون، وهذا يعني أني أعيش في ثلاجة. فأنا برتقالة لاجئة في ثلاجة، او ربما شريحة لحم الخنزير. من قبل كنت أقول لك يا صديقي، بأن خلق الرعب هو من أولويات الفنان ثم تأتي بقية الأحاسيس والمظاهر والافكار واللعب واللغة والتشويق كزخرفة فنية. صدّقني ، ليست فيّ اليوم رغبة وحتى لأعادة الانفاس التي أزفرها من صدري. هناك مضخة دخان في رأسي تنفث الأمراض على مدار الساعة. انا بأمس الحاجة الى التشبث بحكمة واحدة صغيرة في هذه الحياة. أحتاج الى طوق نجاة للخروج من بئر شكوكي المهجور.

من المفروض أني تعلمت الدرس : أن أجلس فوق المصطبة مثل تمثال حي، وان اتعلق في لعبة التهكم. لكن من المفروض ايضا أن يلقي أحدهم في جنازتي مزحة . لاأدري ان كانت تخص أنفي الطويل...
أنف الانسان مزحة في جنازة
وربما تكون أذنيه أو كرشه...
كرش الانسان طبخة كوميدية من الخراء.
انا موقن من أني سانتهي والدرس معي في قاع النهر .
في قرية نائية أتلفتها الذاكرة ، كان أحدهم يجوب مناديا : المزحة ستنقذ العالم في نهاية المطاف ، نظفوا صدوركم من الخوف ، استسلموا لدغدغة الريح ...

لكنني أريد أن ابكي مع مئة طفل تحت الشمس
أن يشرح لي احدهم قيمة السلام التي تساوي قيمة الحرب

يخيل إلي أني أمشي وسط زحام الشارع وانا أمارس العادة السرية بقضيب من جليد. لامن أجل التهكم بل من أجل المخيلة ، وربما من أجل أن أجرح يدي.
المخيلة التي تقول : كن بقرة تضرط قبل النوم
الانسان الذي يكتب : عن فلسفة الغائط
يدي التي تنزف بسبب الخوف من الحب

مع ذلك ياصديقي ، انا اؤدي جميع واجباتي مثل طاقم أسنان جديد في فم عجوز في أرذل العمر : أكتب من أجل ان لا أعود الى بلدي ،
و من أجل أن لاأعود الى اي مكان آخر.
أقول للأبقار الأخرى ( صباح الخير ) و (ليلة سعيدة ) .
أشاهد التلفزيون وأطلق حسرة على تسميمهم البيئة.
أكذب ُ إن سألت عن مشاعري الحقيقية تجاه الاطفال،
وأدخن علبة سجائر اضعها على صور الاطفال الذي أحرقتهم الطائرات.
أدندن مع الاغاني الشعبية وأبدي الملاحظات حول المطرب والحكاية ،
أدعي أنني أنسان نظيف غدر به الزمن.
أحاول أن أفكر مع الحالمين بشفرة الوجود والحكمة ، بضياع الله وصمته.
أحاول أن أُضحِك أصدقائي حين نثمل ،
أحاول أن أضاجع الزوجة بكل ما أملك ، بلساني وزبّي وأصابع يدي وساقي أن أدخل أمعائي الغليظة ونصف شراييني وأنفي الطويل...

أنفي الذي سيحضر جنازتي كذكرى هوائية
امي التي بكت على أكثر من شعب يحترق
ابي الذي تعطل قلبه في جبهة الحرب
اخوتي الذي سرقهم رجل يرتدي عمامة سوداء
الارض التي تدور بسبب طاقة الصدفة الازلية
أنا الذي يكتم ضحكته كلما لحست مؤخرته ذبابة الليل

ماهي ذبابة الليل ياحبيبي ؟
ذبابة لاتزور الجميع، هي ، وياللمفارقة ، رشيقة مثل عارضات الازياء
لكنها واقعية مثل واقعية المرآة التي تنظف أسنانك امامها
او مثل واقعية الطيور التي تحلق فوق المقبرة

من المفروض انني سأضع سلسلة مؤلفات علمية عن الواقعية
سبعة اجزاء تتحدث عن واقعية واحدة لاغير
ماالفرق بين الليل كواقع ومعجون الطماطم كواقع ايضا ..
قد يتحول الليل لبرهة الى نمر يعدو باقصى سرعة
وقد تتحول الطماطم في حلم امرأة الى اثداء تتضخم

الحياة في ثلاجة يا حبيبتي ليست مثل الحياة في الخارج. الحياة في ثلاجة تحتاج اولا الى الكآبة، ثم الى مصاريف كبيرة. فحياة محرومة من الكحول كهذه هي حياة مخيفة، هي تفاحة تتعفن، علبة سردين من البحر الأبيض في ثلاجة. الحياة ياصديقتي العزيزة قصيرة، ونحن قد جمدنا من فرط الحزن والشكوى. هناك ايضا حاجة الحياة في ثلاجة الى تعلم الصمت. فالبرد القارص هو عقوبة لمن تحدث طويلا من دون جدوى. في الثلاجة نحن نقرأ عن الخير والشر مثلما نقرأ عن نشرة الأنواء الجوية. في الثلاجة يرتدي مقدم الأخبار درعا شتائيا ويطبع على وجهه إبتسامة عريضة كي لا يجمد المشاهدون. هنا الدم لايسيح كما يسيح على الأرصفة في بلادنا. الدم هنا ياصديقتي يتجمد. صحيح أننا لانسمع هنا لعلعة الرصاص ولا دوي الأنفجارات ، لكننا نسمع من الثلوج الهاطلة فحيح الوحشة. هو كالهمس، لكنه يصم الآذان من شدة بياضه. كيف أصف لك الحياة في ثلاجة ياصديقتي...
أناخبز أسود في الثلاجة. أنا ست قناني بيرة . بيضة في ثلاجة. أنا خل التفاح. أنا جبنة ، طماطم ، أنا دواء يحتاج الى درجة حرارة منخفضة. لحم خروف متجمد. أنا سلطة خيار ولبن. أنا روبيان. أنا ذراع أخطبوط في ثلاجة...
هل تريحك هذه المخيلة الذابلة ؟
هل يريحك قضيبي حين يرقص الهيب هوب بين فخذيك ؟

اذهب كل مساء الى الغابة وأصيح : يا خوف، يا ليل ، يا عيني يا خووووف ...

لكن صوتي البشري لا يتناغم مع أصوات الغابة. هو يذكر بسمفونية التفاهات التي تعزف في المدينة، تلك الموسيقى الحجرية المتكسرة في ماكنة العيش. تبدأ الصرير منذ الصباح الباكر. في الأسواق التجارية والبنوك والجامعات والمستشفيات والبرلمان والبارات والمطاعم. أصوات الخزي البشري. أصوات في الباصات والقطارات ، أصوات في الطائرات والسفن ، أصوات شجارات البيوت، شتائم ، إهانات ، لعلعة رصاص ، لغط ، صراخ ، بكاء، هتافات مظاهرات من أجل البيئة . تصفيق عند منح جائزة للسلام بينما حروب جديدة تشتعل في بقاع جديدة ، أصوات سيارات تصطدم، سيارات ملغومة تنفجر، سيارات لصوص، سيارة أسعاف، سيارة بنك محملة برزم النقود ، سيارة أطفاء. أصوات جوامع وكنائس، خطب جمعة ، مواعظ، أصوات جنس جماعي ، زجاج يتكسر، أصوات تدخل من الأذن اليمنى، وأصوات تخرج من اليسرى. لو كان الأنسان أصم لكن العالم أقل ايلاما. هناك صوتان فقط يصلحان لأحلال السلام : أغاني الغابة والموسيقى. نعم ، حبيبتي ، الغابة صوت. صوت قديم يجدد نفسه مثل نهر لايتوقف عن الجريان. لقد لوثنا النهر ياحبيبتي. و نحن قد قطعنا الأشجار. وطرنا الى الفضاء بحثا عن المزيد من الأصوات. لقد دمرنا الإنسان فينا بألقاء حطب أكثر في فرن عالمنا المستعر. لقد طبخنا وخبزنا وقتلنا كما السفاحين، ومنحنا الجوائز وأوسمة الشجاعة للمجانين والقتلة. نحن أبطال نستحق الشنق في نهاية الفيلم ، أما الجماهير فهي تبكي لأنها تعجز عن إنقاذ البطل الذي يشنقوه وسط الساحة. لقد ذبحنا أنساننا من الوريد الى الوريد وجلسنا نبكي عند قدميه. كتبنا القصائد من أجل كرامة الانسان ، بينما كتب آخرون حروبا طويلة لم ولن تنتهي. أُغرقت قصائدنا بالذل والخسارات. البشرية أثنان، البشرية صوتان. أغلبية تتحدث من دون توقف، وأقلية نباتية صامتة تتحدث بالأشارات.

حسنا ...
وداعا ياحبيبتي

لم تكن هناك وردة اجمل من بظرك
وداعا ياصديقتي

لم تكن هناك اغنية اجمل من قبلتك

وداعا ايتها الذبابة
وداعا انفي
وداعا ايها الثلج
وداعا ايتها البقرات
وداعا يا صوتي الهزلي

وداعا وداعا وداعا
يا أحبائي انا لا امزح ،
بل انقلب على ظهري مثل صرصار من شدة الضحك
اضحك من الشعر العظيم ، الجميل، العميق، الحاد، البسيط ، الحكيم، المتسامي، المبخر، المنحوت، المقلي، المتصابي، المقدس...

اضحك من كل شعر لاينقلب على ظهره
اضحك من كل انسان لا تضحك فيه الصراصر