الخميس، 23 سبتمبر، 2010

أغنية الماعز



كان الناس ينتظرون في طوابير، ليرووا حكاياتهم. تدخلت الشرطة لتنظيم الأمور. أغلق الشارع العام المحاذي لمبنى الأذاعة أمام حركة السيارات. وهناك انتشر النشالون وباعة السجائر المتجولون. وكانت شديدة المخاوف ُمن أن يندس إرهابي بين الناس ويحيل كل هذه الحكايات إلى عجينة من اللحم والنار.

تأسس راديو ( الذاكرة ) بعد سقوط الدكتاتور. ومنذ البدء أخذت الإدارة بنهج وثائقي لبرامجها. لا نشرة أخبار ولا أغان، مجرد تقارير وثائقية وبرامج تنبش في ماضي البلاد. وجاءت الراديو شهرة كبيرة بعد الإعلان عن خبر تسجيل برنامج جديد بعنوان ( حكاياتهم بأصواتهم). وتوافدت الحشود على بناية الإذاعة من كل أنحاء البلاد. كانت الفكرة بسيطة: اختيار حكايات و تسجيلها بأصوات أصحابها ومن دون ذكر للأسماء الحقيقية ثم يختار المستمعون أفضل ثلاث حكايات تنتظرها جائزة مالية ثمينة.

أفلحت ُ في ملء استمارة الترشيح والدخول إلى مبنى الإذاعة بعد مشقة كبيرة. ولأكثر من من مرة نشب الشجار بسبب الزحام. عجائز وشبان ومراهقون، موظفون وطلبة عاطلون عن العمل، جاءوا كلهم كي يرووا حكاياتهم. انتظرنا تحت المطر أكثر من 4 ساعات. بعضهم كان كتوما. آخرون كانوا يتفاخرون بحكاياتهم. شاهدت رجلا من دون ذراعين ولحيته تكاد تصل إلى سرته. كان غارقا في التفكير وكأنه تمثال يوناني متآكل. لاحظت قلق الشاب الوسيم الذي كان معه. سمعت من شيوعي عذِّبوه في السبعينيات في سجون البعث، بأن لدى الرجل الملتحي حكاية مرشحة للفوز إلا أنه لم يأت من أجل الجائزة. إنه مجرد مجنون لكن مرافقه، وهو من أقربائه، يطمع بالجائزة. كان ذو اللحية الطويلة معلما. ذهب إلى الشرطة يوما للإبلاغ عن جاره الذي كان يتاجر بالآثار المسروقة من المتحف. شكرته الشرطة على تعاونه. وبهذه الصورة أراح المعلم ضميره وعاد إلى مدرسته. رفعت الشرطة تقريرا لوزارة الدفاع مفاده أن بيت هذا المعلم هو وكر لتنظيم (القاعدة). كانت الشرطة شريكة لمهرب الآثار. أرسلت وزارة الدفاع تقريرها إلى الجيش الأمريكي الذي حلقت مروحياته في سماء بغداد و قصفت بيت المعلم. قتلت زوجته وأولاه الأربعة و أمه العجوز. المعلم نجا من الموت. لكن دماغه تعطل وفقد ذراعيه.

أما أنا فكانت تغلي في ذاكرتي أكثر من عشرين حكاية عن سنوات أسري الطويلة في إيران. كنت واثقا من أن واحدة على الأقل ستكون قنبلة المسابقة حقا.

أدخلوا المجموعة الأولى ثم أعلنوا للحشود في الخارج عن انتهاء استقبال الطلبات في ذلك اليوم. كنا أكثر من 70 شخصا. أجلسونا في قاعة فسيحة تشبه مطاعم الطلبة في الكليات. أخبرنا رجل يرتدي بدلة أنيقة بأننا سنستمع أولا إلى حكايتين كي نتعرف على طبيعة البرنامج. كما تكلم عن قانونية العقد الذي سنوقعه مع الإذاعة.

خفتت الأضاءة تدريجيا وحل الصمت في القاعة وكأننا في صالة سينما. أشعل معظم المشاركين سجائرهم. غرقنا في سحابة كثيفة من الدخان وأخذنا نستمع إلى قصة امرأة شابة. كان صوتها يصلنا صافيا من كل أركان القاعة. استمعنا إلى حكاية زوجها الشرطي الذي اختطفته جماعة إسلامية لمدة طويلة، وكيف أرجع القتلة جثته متعفنة ومن دون رأس أثناء الاقتتال الطائفي. وحين أضيئت القاعة من جديد دبت الفوضى. كان الجميع يتحدثون سوية مثل حشد من الزنابير. هزأ كثيرون من حكاية المرأة. ادعوا أنهم يملكون من الحكايات ماهو أغرب وأقسى وأكثر جنونا. لمحت عجوزا شارفت على التسعين تهز يدها ساخرة وهي تمتم: هي هاي سالفة .. سالفتي لو حكيتها على الصخر.. .كان تفطر من القهر ...

عاد الرجل الأنيق ودعا المشاركين إلى الهدوء. أوضح بكلمات بسيطة بأن أفضل القصص لاتعني الأكثر رعبا أو حزنا، المهم هو الصدق وأسلوب الحكي ثم قال بأنه ليس من الضروري أن تكون القصص عن الحرب والقتل. أنا انزعجت من هذا الكلام. وما لاحظته أن غالبية المشاركين لم تكترث لأقوال هذا الرجل. همس في أذني رجل بحجم الفيل: ضراط إللي يقوله هذا أبو رباط... السالفة هيّه سالفة ... لو زينة لو ضراط ...

خفتت الإضاءة من جديد. ورحنا نصغي للحكاية الثانية :

وجدوها تطعمني الخراء. طوال أسبوع وهي تخلطه لي مع الرز والبطاطا المهروسة والحساء. كنت طفلا شاحبا في الثالثة من العمر. هددها أبي بالطلاق لكنها لم تكترث. تحجر قلبها إلى الأبد. لم تغفر لي فعلتي أبدا، ولا أنا نسيت قسوتها. عندما ماتت بسرطان الرحم كانت أعاصير الحياة قد حملتني بعيدا جدا. هربت بعد حادثة البراميل من البلاد ذليلا، مكسورا، مشدوها من شدة الفزع. في الليل ودعت أبي. سار معي إلى المقبرة. قرأنا سورة الفاتحة عند قبر عمي. تعانقنا ثم دس في يدي رزمة من النقود. قبلت يده واختفيت.

كنا نعيش في حي فقير في كركوك. لم تكن في الحي مجار للمياه. حفر الناس في بيوتهم بالوعة كلفتها ثلاثة دنانير. كان الكردي نوزاد، بائع الخضروات، هو المختص الوحيد في الحي في حفر بالوعة الخراء تلك. وحين مات نوزاد تولى ابنه مصطفى العمل. عثروا على نوزاد متفحما في دكانه بعد أن شب الحريق فيه ليلا. لا أحد يعرف ما الذي كان يفعله نوزاد في تلك الليلة. زعم بعضهم أنه كان يدخن الحشيش. أبي لم يصدق هذا الكلام. ولكل أشكال المصائب كانت هناك حكمته الأثيرة ( كل شئ مكتوب علينا في هذه الدنيا الفانية ). وهكذا صدقت في طفولتي بأن ( حياتنا ) مركونة في الكتب المدرسية ودكان بائع الجرائد. أراد الأب إنقاذ طفولتي بما يملكه من نقاء ومحبة. كان ممتنا من الناس والحياة بطريقة تحيرني لغاية اليوم. كان مثل قديس في مسلخ بشري. كانت الكوارث تقصفنا مرة كل عامين. إلا أن الأب لم يرد أن يصدق بأن هناك مثل هذه اللعنة الغامضة التي يأتي الزمن بها. ربما ردها إلى القدر المكتوب. كنا عرضة للقصف من كل الجهات - من المجهول، من الواقع، من الله، من الناس وحتى الموتى كانوا يقصفوننا بالعذاب. حاول أبي دفن جريمتي بشتى السبل. على الأقل شطبها من ذاكرة أمي. لكنه فشل. استسلم أخيرا. وترك المهمة لجرّافة الزمن ، فعلّها تردم الكارثة.

ربما أنا أصغر قاتل في العالم. قاتل لايتذكر شيئا من جريمته التي لم تكن لدي وعلى الأقل، سوى حكاية. مجرد حكاية لتسلية الناس في كل وقت. و ما لاحظته أن كل واحد كان يكتب ويلحن وينشد حكاية جريمتي على هواه. آنذاك لم يكن أبي يعمل في صناعة الطرشي. كان سائق دبابة. وكانت الحرب في عامها الأول. وكانت أمي تلح على أبي كي تنجب طفلا ثالثا. كان يرفض بسبب الحرب التي أفزعته. أحوالنا كانت ماشية : يرسل أبي كل شهر ما يكفي للأكل واللبس وإيجار البيت. وكانت أمي تقضي وقتها إما في النوم أو في زيارة زوجة عمي، للحديث عن أسعار الأقمشة ورعونة الرجال.

في الصيف تنتقل أمي إلى منطقة الأحلام. لا تسمع ولا تتكلم ولا حتى تبصر. كان القيظ يذيب روحها. في كل ظهيرة تستحم ثم تنام في غرفتها عارية. مثل حورية ميتة. و حين يقدم الليل تستعيد شيئا من الحيوية تماما وكأنها أفاقت من غيبوبة. تشاهد المسلسل الدرامي في التلفزيون و برنامج تقليد الرئيس أنواط الشجاعة للجنود الأبطال. وتفكر عسى أن يظهر أبي بينهم.

في ظهيرة أحد الأيام غفت أمي فاتحة ساقيها وذراعيها لهواء المروحة السقفية. تسللنا أنا وأخي الذي يصغرني بعام إلى باحة البيت. لم يكن في الباحة سوى شجرة تين يتيمة وبالوعة الخراء تلك. أذكر أن أمي كانت تبكي تحت شجرة التين كلما مات لنا قريب أو نزلت علينا مصيبة. كانت فوهة البالوعة مغطاة بصينية طعام قديمة مسنودة بحجر كبير. كنا نزيحه، أنا وأخي، بصعوبة. ثم نبدأ برمي الحصى في البالوعة. كانت لعبتنا المفضلة. جارتنا أم علاء عملت لنا زوارق ورقية كنا نتركها على سطح بحيرة الخراء.

قالوا إني دفعت أخي في البالوعة ثم هربت إلى سطح البيت مختبأ في قفص الدجاج. ولما كبرت سألتهم: ربما سقط، وأنا هربت بسبب الخوف ؟ قالوا: أنت أعترفت بنفسك. ربما حققوا معي مثل شرطة الدكتاتور. أنا لا أذكر أي شيء. لكنهم يقولون ويحكون، وكأنهم يتمتعون بمشاهدة أحد الإفلام. كان الجيران كلهم قد شاركوا في كرنفال جحيم البالوعة. لم يعثروا على تلك السيارة التي كانت تأتي مرة في الشهر وتفرغ بالوعات الحي. استعانوا بكل شئ. بالقدور والآواني الأخرى وبدلو كبير لتفريغ الخراء من البالوعة. كانت عملية شاقة و مقززة وكأنه مشهد تعذيب بالحركة البطيئة. كان القيظ و الروائح الكريهة يضاعف من التعب وهول الصدمة. وقبل أن تغرب الشمس، أخرجوه، طفلا كفنه الخراء.

تأخر أبي في العودة من الجبهة. كتب عمي رسالة له ثم تكفل بمراسيم دفن أخي. دفناه في مقبرة الأطفال على التل. ربما هي أجمل مقبرة في العالم. في الربيع كانت تنبت هناك أزهار برية من كل لون وشكل. وتبدو المقبرة من بعيد وكأنها شجرة عملاقة ملونة. مقبرة يفوح عطرها بقوة و ينتشر إلى عشرة كيلو أمتار. بعدها بأسبوع دفعت جارتنا أم علاء الباب وشاهدت أمي. كانت في ذهول من شدة الحزن. وضعت الخراء في طاسة صغيرة. و أخذت ببطء شديد تخلط الخراء بملعقة من البلاستيك، بالطعام، و تملأ به فمي ودموعها تسيل...

أرسلني أبي إلى عمي كي أعيش معه. وهكذا أصبحت لاجئا من صنف آخر. كنت أحل ضيفا على بيتنا كل يوم جمعة. تصحبني زوجة عمي كي ترقب أمي. صرت مثل الكرة التي تتقاذفها الأقدام. هكذا مرت ست سنوات وانا أسعى إلى أن أفقه مايحدث حولي. كان علي أن أتعلم ما تعنيه أحاسيسهم وكلماتهم وسلسلة جمر في رقبتي. كنت أحبو فوق بساط من السكاكين. وكانت البالوعة فزاعة طفولتي. سمعت في أكثر من مناسبة بأن الحياة تتقدم، تسير، تبحر، وربما تزحف. حياتنا كانت تتفجر مثل المفرقعات النارية. وتتناثر في سماء الله. كاتب الأقدار ومدفع القصف العظيم. قضيت سنوات طفولتي ومراهقتي وأنا أراقب الجميع مثل قناص يختبئ في العتمة. أراقب وأرمي. كنت أطلق على كوابيس حياتي كوابيس أخرى - كوابيسي المتخيلة. ابتكرت صورا ذهنية لتعذيب أمي والآخرين. ورسمت في دفتر مدرسي شاحنات عملاقة تسحق روؤس الأطفال. مازلت أذكر صورة الرئيس المطبوعة على غلاف الدفتر. ارتدى فيها بدلة عسكرية وهو يبتسم. وقد كتب أسفل الصورة : ( القلم والبندقية فوهة واحدة )...

كانت هناك عربة نفط يجرها حمار. تأتي إلى أزقة الحي شتاء. كان الأطفال يتبعون صاحب العربة، منتظرين أن ينتصب زب الحمار، المخيف. كنت أغمض عيني. وأتخيل زب الحمار، الغليظ والأسود، يدخل من أذن أمي اليمنى ليخرج من اليسرى. وهي تصرخ وتستغيث من شدة الوجع.

قبل أن تنتهي الحرب بعام ، فقد أبي ساقه اليسرى وخصيتيه. وهذه الحال أرغمت أمي على أن أعود إلى البيت. أبي قرر أن يعود إلى مهنة أبيه وأجداده : صناعة الطرشي. يقولون إن جدي كان أشهر بائع طرشي في مدينة النجف. الملك نفسه، زاره ثلاث مرات. عدت إلى البيت وصرت ساق أبي وذراعيه وخادمه المطيع. وكنت سعيدا، فأبي معجزة من الطيبة. رغم كل ما عاناه في حياته. ظل مخلصا لروحه. التي لم يشوهها الألم. ركّب ساقا صناعية وضاعف من طاقة الحب. كان يدلل أمي ويغمرها بالهدايا- قلادات ذهب وخواتم وألبسة داخلية مطرزة بالورود.

قام أبي بتبليط باحة البيت وعمل غطاء كونكريتي لفوهة البالوعة. لم تبق سوى فسحة لشجرة التين التي أماتتها المياه المخمرة للطرشي. تحتها بكت أمي آخر مرة حين بلغت السادسة عشرة من العمر. قامت الحكومة في بغداد بشق طريق للخط السريع وأزالت المقبرة القديمة. كان قبر والدها هناك. و استمر زمنا طويلا حزنُنا على ضياع عظام الجد.

كانت الباحة مليئة ببرامل التخمير البلاستيكية. وأكوام من شوالات الخيار والباذنجان والفلفل الأخضر والأحمر والزيتون واللهانة والقرنابيط. و أكياس الملح والسكر والبهارات وقناني الخل وعلب الدبس. كانت هناك قدور طبخ كبيرة. الماء يغلي فيها طوال الوقت. نضيف إليها البهارات ثم خيار الماء والباذنجان والقرنابيط واللهانة والجزر. لم يكن أبي ماهرا كأبيه وجدّه. وراح يجرب طرقا جديدة. كان قد قضى شطرا كبيرا من حياته في الدبابة. نسي الكثير من الوصفات السرية لعمل الطرشي. أضاعت الدبابة عليه زبّه ومهنة أسلافه.

أجلس قبالة أمي ساعات ونحن نقطع الباذنجان أو نحشو الخيار بالثوم أو الكرفس. كان لسانها، مسموما مثل أفعى. ولم يعد الصيف يؤلمها. تحولت إلى بقرة سمينة حرقتها الشمس. سليطة اللسان وتدخن بإفراط. نبتت في قلبها أعشاب مسمومة. كان الناس يرثون لحالها بكلمات مسمومة أيضا: المسكينة.. لا زب ولا أولاد ... بس غراب البين. الغراب هو أنا. و معه كل رموز الشؤم. كان أبي مشغولا طوال الوقت بأمور الحسابات والتعامل مع الدكاكين في السوق ونقل البراميل بسيارة الشحن القديمة. ينهار أبي من التعب بعد مغيب الشمس. يتعشى ويصلي ويروي لنا مشاكل الطرشي. ينزع ساقه الاصطناعية. ويدخل السرير ليدغدغ إمرأته الشمطاء بأصابعه.

حين أندلعت حرب الخليج الثانية كان علي الالتحاق بخدمة الجيش. جلس أبي وعمي يتشاوران في أمور خدمتي العسكرية. لم يشاهد عمي أهوال جبهات الحرب الأولى. كان يعمل في مديرية الأمن في مركز المدينة. اتخذ أبي قراره : لن أعطيه للموت. كيف لهم أن يقتلوا ابني الوحيد . تشاجر عمي معه. شرح له موقفه من دائرته الأمنية. ابن أخيه هارب من خدمة العلم ( تريدهم يعدمونا أحنا والنسوان ؟ ). أصر أبي على موقفه. هددنا عمي بأنه سيلقي القبض بنفسه علي إن لم ألتحق بالجيش. لكن أبي طرده من البيت. وقال له ( اسمع.. صحيح أنا رجل مسالم .. لكن هذا ابني... قطعة من جسدي .. إن فعلت ذلك ... سأذبحك من الوريد إلى الوريد...). كان عمي سكرانا ليلتها. و هائج مثل ثور، غادر وهو يشتم صارخا. قام أبي وصلى ركعتين. وسرعان ما استعاد هدوءه: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ... إنه أخي ... مجرد كلام سكر .. أنا أعرفه ... قلبه أبيض ...

بقيت سجين البيت ثلاثة أشهر. كانت الشرطة العسكرية وكل أجهزة الأمن تملأ الشوارع. قرر أبي أن لا أعمل في النهار كي لاينتبه إليّ الجيران. أخرج ليلا إلى الباحة مثل اللص وفي يدي فانوس. أجلس قرب شوالات الباذنجان والخيار والفلفل. وأنهمك في العمل والتفكير في حياتي. كنت أخلط العرق بالماء في علبة حليب فارغة لئلا أزعج أبي. أقضي الليل وأنا أسكر والمزة من كل أصناف طرشي سائق الدبابة. يسري الكحول في دمي فأحبو مثل طفل إلى البالوعة. ألصق أذني بالغطاء الكنوكريتي وأصغي. أسمعه يضحك. أغمض عيني. فأتخيل لمس كتفه العاري. جلده ساخن من كثرة اللعب والتعب. لم أعد أذكر وجهه. صورته الفوتوغرافية الوحيدة مع أمي. هي تمنع الكل من الاقتراب منها. تخبئها في دولاب الملابس. تضع الصورة في علبة خشبية صغيرة مرسوم عليها طاووس.

عند ساعات الفجر الأولى ينهض أبي. غالبا ما كان يجدني نائما في مكاني. يضع يده على جبيني. فأفيق من لمسة يده. ( ادخل ابني ... صليلك ركعتين ... وأدعو ربك يوفقك ) لم يكن غافلا عن شربي العرق. لكن الدين لم يكن بالنسبة له أحاديث نبي ولا شريعة ولا محرمات. الدين هو حب الخير، هذا كلامه لكل من يناقشه في مسألة الحلال والحرام وأمور الشريعة. لن أنس أبدا ذلك اليوم الذي انهار فيه باكيا في ساحة اللعب بالكرة. أخاف الأطفال. وأنا خجلت و ارتبكت بسبب بكائه. كان رفاق حزب البعث قد أعدموا ثلاثة شبان كرد قريبا من ساحة الكرة. ربطوهم إلى أعمدة خشبية ورموهم بالرصاص أمام مرأى جميع سكان الحي. قبلها خطبوا من مكبر الصوت: ( هؤلاء الخونة المخربين لايستحقون أن يأكلوا ويشربوا ويتنفسوا من ماء وهواء وخيرات هذا البلد)، وكعادة رفاق الحزب أخذوا الجثث وتركوا أعمدة الخشب في مكانها كي يتذكر الجميع ما حدث. جاء أبي إلى الساحة لاصطحابي إلى السينما. كان مولعا بالأفلام الهندية. وحين تأمل الهدف الذي ينقصه العارضة الخشبية أدرك أننا أخذنا الأعمدة الثلاثة وعملنا منها عوارض للأهداف. كانت آثار الدم الذي يبس على الخشب. انهار أبي حين سمع أحد الأولاد يقول : عمو .. ناقص عارضة وحدة.. يمكن يعدمون بعد واحد.. وناخذ الخشبة مالته ..

في مساء صيفي قُصِفنا من جديد. طرق عمي الباب بعصبية. كانت أمي تعد النقود وتضعها في زجاجة معجون طماطم فارغة. أنا وأبي كنا نلعب الشطرنج. كان يمكنه أن يغلبني بسهولة. لكنه كان يتسلى بفرحتي وأنا أقتل جنوده أولا. قدمهم وبقية البيادق لي من دون غطاء وكقرابين. أبقى على ملكه ووزيره فقط. ثم أخذ يفتك ببيادقي بوزيره الأسود ويحكم بالموت على ملكي.

خرج أبي للباحة لاستقبال عمي. لفت أمي فوطتها ولحقت به. وقفوا جميعهم قرب البالوعة وراحوا يتناقشون بعصبية لكن بصوت خفيض. راقبتهم من خلف زجاج الشباك. كنت دائخا من سكرة الأمس. انتظرت قدوم الليل لأسكر من جديد. هرولت أمي لجلب شيء من الأغراض أسفل السلم. تعاون أبي وعمي على إفراغ برميل مليء بطرشي القرنابيط. عادت أمي بمطرقة ومسمار. طرح أبي البرميل أرضا، وأخذ، يحدث فيه ثقوبا عشوائية بالمسمار. لم يكن يحمل ساقه الاصطناعية. كان يقفز على ساق واحدة وهو يدور حول البرميل كأنه يلعب أو يرقص. أوقف عمي السيارة أمام باب البيت ونقلوا إليها براميل الطرشي. دخل أبي الغرفة وهو يتصبب عرقا:

- اسمع ابني ... ماكو وقت ... عمك عنده معلومات أن الأمن والحزب راح يفتشون من الفجر كل البيوت... عمك عنده أصدقاء أوفياء بقرية العوران... ابقا لك هناك كم يوم ... منا لمن الأمور تهدأ ...

دخلت البرميل الفارغ. أحكمت أمي غلق الغطاء. وحملني أبي وعمي إلى السيارة.

كان أبي محقا. إنه أخوه ويعرف قلبه. قاد عمي السيارة في الشوراع مثل المجنون لينقذ حياتي. تمكن من الوصول إلى أطراف المدينة بسلام. لكن جميع المعابر المؤدية إلى الأقضية والقرى، كانت تحرسها نقاط تفتيش عسكرية. الحل الوحيد أمامه هو التوجه إلى الطرق المهجورة. اختار طريق مزارع الحنطة شرق المدينة. ربما ذعر عمي أنساه الطرق المناسبة. حتى الطفل في المدينة كان يعرف سلسة التلال الصخرية الوعرة بعد مزارع الحنطة. ربما كانت صور تعذيب الناس في دائرته الأمنية تشتت ذهنه. لعله تخيل جماعته يذيبونه في أحواض حامض الكبريت ( ضابط أمن يهرب ابن أخيه في برميل طرشي) كان يقود السيارة في مزارع الحنطة مسيطرا بالكاد على المقود. المطبات كسرت ضلوعي و الغبار الذي تثيره السيارة يدخل من الثقوب في البرميل بدل الهواء. كانت رائحة البرميل مثل جيفة القطط الميتة في مزبلة الحي. هل كان عمي يقلع الأظافر ويفقأ العيون ويحرق الجلود بمكواة في أقبيه دائرة الامن؟ ! ربما قادته أرواح المعذبين الى الهاوية، ربما هي روحي الشريرة. ولعلها الروح التي كتبت كل شئ ، فان ، غامض، في هذه الدنيا الزائلة.

سبعة براميل تقبع في ظلام أسفل المنحدر مثل حيوانات نائمة. انقلبت السيارة بعد أن حاول عمي اجتياز التل الصخري الثاني. تدحرجت البراميل مع السيارة إلى الهاوية. قضيت الليل غائبا عن الوعي في جوف البرميل. في ساعات الصباح الأولى. كانت أشعة الشمس تتسرب من ثقوب البرميل، وكأنها خيوط أنفاس ممدودة إلى غريق. كان الدم يملأ فمي، ويداي ترتعشان. كنت فريسة الاثنين: الألم و الرعب. رحت أرقب أشعة الشمس وهي تتشابك بغرابة في البرميل. أردت التخلص من الفوضى التي لحقت بوعيي. شعرت كأني دخنت طنا من الماريخوانا : سمكة تفيق في علبة سردين. دودة ميتة في جوف بئر مهجور. جنين متعفن سُحقت عظامه في رحم على شكل برميل. إلى أن استقرت في ذهني صورة أخي النازل إلى قاع البالوعة وأنا أغوص وراءه.

كان ثغاء الماعز يصلني ضعيفا أول الأمر، وكأنها فرقة إنشاد تتدرب على الغناء. تثغو عنزة ثم أخرى ثم كل العنزات سوية وكأنها وصلت إلى الميلودي المناسب. و قبل أن يصيح الراعي على القطيع، وتنطح عنزة البرميل، تحرك شعاع وسقط في بؤبؤ عيني. تبولت على نفسي في جوف البرميل، مشدوها من قسوة العالم الذي سأعود اليه .

هلسنكي 2010

الأحد، 19 سبتمبر، 2010

الإرشيف و الواقع

لكل نزيل في محطة استقبال اللاجئين حكايتان. واحدة واقعية وأخرى إرشيفية. الحكايات الإرشيفية هي الحكايات التي يرويها اللاجئون الجدد من أجل حق الحصول على اللجوء الانساني. وتدون هذه الحكايات في دائرة الهجرة وتحفظ في ملفات خاصة. اما الحكايات الواقعية فتبقى حبيسة في صدور اللاجئين ليعتاشوا على ذكراها بسرية تامة. لكن هذا لايعني انه يمكن التمييز بسهولة بين حدود الحكايتين. فقد تختلطا ويصبح التمييز بين الحكايتين مجرد محاولة عبثية. قبل يومين وصل لاجئ عراقي جديد الى مدينة مالمو جنوب السويد. رجل نحيل في نهاية الثلاثين من العمر. ادخل الى محطة الاستقبال واجريت له بعض الفحوصات الطبية. ثم اعطوه غرفة وسرير ومنشفة وشرشف وصابون وملعقة وشوكة وسكين وقدر لطبخ الطعام. يجلس الرجل اليوم امام موظف دائرة الهجرة يروي حكايته بسرعة غريبة ، بينما موظف الهجرة يطلب منه ان يبطأ السرد قدر المستطاع :

أخبروني أنهم باعوني الى جماعة اخرى. كانوا فرحين جدا. ظلوا طوال الليل يشربون الويسكي ويضحكون. حتى أنهم دعوني لمشاركتهم الشرب.اعتذرت انا واخبرتهم بأنني رجل ملتزم بدينه. اشتروا لي ملابس جديدة وطبخوا لي في تلك الليلة دجاجة وقدموا لي الفواكه والحلويات. يبدو ان ثمني كان جيدا. حتى ان قائد المجموعة سكب دموعا حقيقية اثناء توديعي. عانقني مثل أخ: أنت رجل طيب للغاية... اتمنى لك كل الخير والموفقية في حياتك ، قال الرجل الاعور.
اظن انني بقيت مع الجماعة الاولى ثلاثة أشهر فقط. وكانوا قد إختطفوني في تلك الليلة الباردة والمشوؤمة. حدث ذلك في بداية شتاء 2006. تلقينا التعليمات بالتوجه الى نهر دجلة. كانت هي المرة الاولى التي نتلقى فيها الأوامر مباشرة من مدير قسم الطوارئ في المستشفى. عند ضفة النهر كان رجال الشرطة يحيطون بست جثث من دون روؤس ، وكانت الروؤس قد وضعت في شوال طحين فارغ أمام الجثث. خمن رجال الشرطة بأن الجثث لرجال دين. كنا قد تأخرنا في الوصول بسبب الامطار الشديدة . كدس رجال الشرطة الجثث في سيارة الاسعاف التي يقودها زميلي أبو سالم وحملت انا الى سيارتي شوال الروؤس. كانت الشوارع خالية ولم يكن يخرق سكون ليل بغداد الموحش سوى اصوات رصاص في البعيد وصوت طائرة مروحية امريكية تدور فوق المنطقة الخضراء. انطلقنا عبر شارع أبي نؤاس بأتجاه شارع الرشيد، وكنا نسير بسرعة متوسطة بسبب الامطار ، ف( حين تحمل جريحا أو مريضا يحتضر، تكون سرعة سيارة الاسعاف هي الدليل على المسوؤلية الانسانية. اما حمل الروؤس المقطوعة في سيارة اسعاف فهو لايحتاج إلا الى سرعة عربة موتى تجرها البغال في غابة مظلمة من القرون الوسطى ) هذا ماكان يردده علينا مدير شعبة الطوارئ في المستشفى. وهو رجل كان يعتبر نفسه فيلسوفا وفنانا ، لكنه ( ولد في البلد الخطأ ) على حد قوله. مع ذلك كان يحترم عمله ويعتبره من الواجبات المقدسة. فأدارة قسم سيارات الاسعاف في شعبة الطوارئ كان يعني لديه إدارة الخط الفاصل بين الحياة والموت. كنا نسميه ـ الاستاذ ـ وكان زملائي الاخرين يمقتونه وينعتونه بالمجنون. وأنا عرفت سبب المقت. فكلامه الغامض والعدائي جعله رجلا معقدا في نظر الاخرين. لكني كنت اكن له الكثير من الاحترام والمحبة بسبب حديثه الجميل والشيق. قال لي مرة : إن الدم المسفوك والخرافة هما أصل العالم. والانسان ليس هو الكائن الوحيد الذي يقتل من أجل الخبز أو الحب او السلطة ، فالحيونات في الغابة تفعل ذلك بشتى السبل ، لكنه الوحيد الذي يقتل بسبب الإيمان. وغالبا ما كان يختم حديثه بجملة مسرحية وهو يشير بيده الى السماء : لايمكن حل قضية الانسان الا بالرعب المتواصل. كان زملي أبو سالم يأخذه الظن بأن الاستاذ على علاقة بالجماعات الارهابية بسبب عنف كلامه. لكني كنت أدافع بكل إخلاص عن الرجل الذي لا يفهمون بأنه فيلسوف يابى أن يطلق المزح السخيفة كما يفعل طوال النهار سائقو سيارات الاسعاف الحمقى. كنت احفظ كل جملة وكلمة يقولها. فأنا كنت أسير محبته والإعجاب به.
اعود الى تلك الليلة الملعونة عندما انعطفنا بأتجاه جسر الشهداء. أنتبهت الى أختفاء سيارة الاسعاف التي يقودها أبو سالم ، ثم لمحت في المرآة الجانبية سيارة شرطة مسرعة تلحق بي. ركنت السيارة بدوري على جانب الطريق وسط الجسر. ترجل من سيارة الشرطة أربعة شبان ملثمين يرتدون زي قوات الشرطة الخاصة. أمرني قائد المجموعة بالترجل من السيارة وهو يوجه مسدسه في وجهي. بينما اخذ رفاقه الاخرون بأنزال شوال الروؤس من سيارة الاسعاف
( لقد اختطفتُ وهم سيقطعون رأسي ... ). كان هذا أول مافكرت به حين يكبلوني وحشروني في صندوق سيارة الشرطة. أحتجت الى عشر دقائق فقط لأدراك حقيقة ماينتظرني... قرأت آية الكرسي ثلاث مرات في ظلام الصندوق. شعرت بأن جلدي أخذ يتشقق. لاادري لم فكرت في تلك اللحظات المظلمة في وزن جسمي. ربما 70 كيلو. كان رعبي يزداد كلما أبطأت سيارتهم أو إنعطفت. وحين تعاود الانطلاق بسرعة ، كان ينبض فيّ إحساس غامضه هو مزيج من الطمأنينة والقلق. ربما فكرت حينها بحديث الاستاذ عن علاقة السرعة بالاحتضار. لم أفهم ماالذي كان يعنينه بالتحديد. كان يقول ان من يحتضر في غابة يشعر برعب أشد من الذي يحتضر داخل سيارة أسعاف مسرعة. لأن الاول يشعر بأن الزمن قد انفرد به ، بينما يخيل للثاني بأن هناك من يتضامن معه. أكيد أنه وهم الهروب بعكس الاتجاه. اذكر ايضا أنه أعلن مبتسما : اتمنى إحتضارا داخل مركبة فضائية تسير بسرعة الضوء.
خيل إلي أن جميع الجثث المجهولة والمشوهة التي حملتها في سيارة الاسعاف منذ سقوط بغداد، كانت أمامي. ثم شاهدت الاستاذ في الظلام الذي يلفني حاملا رأسي المقطوع من كومة نفايات، بينما يطلق زملائي مزحة داعرة عن حبي للاستاذ . اظن ان سيارة الشرطة لم تقطع مسافة طويلة قبل أن تتوقف عن السير. في كل الأحوال هم لم يخرجوا من المدينة. حاولت أن أتذكر سورة الرحمن ، لكنهم أنزلوني وقادوني الى داخل بيت كانت تفوح منه رائحة السمك المشوي ووصلني بكاء طفل. فكوا الرباط عن عينيّ ووجدت نفسي في غرفة باردة وخالية من الاثاث. ثم إنهال علي بالضرب المبرح ثلاثة أشخاص مجانين . وبعدها ساد الظلام من جديد.

خيل لي أنني سمعت صياح ديك أول الامر. أغمضت عيني لكنني لم أتمكن من النوم. كنت اشعر بألم حاد في اذني اليسرى. أنقلبت بصعوبة على ظهري وزحفت بأتجاه الشباك الذي كان قد سد بالطابوق حديثا. كنت أشعر بعطش شديد. كان من السهل التكهن من أنني داخل أحد بيوت الأحياء البغدادية القديمة. كان ذلك واضحا من طراز بناء الغرفة ، خاصة من باب الخشب القديم. في الحقيقة لااعرف مالذي يهمكم بالتحديد من تفاصيل قصتي كي أحصل على حق اللجوء في بلدكم. أنا أشعر بصعوبة بالغة في وصف ايام الرعب تلك. لكنني أريد ان أذكر بعض الامور التي تهمني ايضا. كنت اتصور أن الله ومن بعده الاستاذ لم يتخليا ابدا عني طوال محنتي. كان الله حاضرا بقوة في قلبي، يروي طمأنينتي ويدعوني الى الصبر. وكان الاستاذ يشغل ذهني ويخفف عني وحشة الإسر. كان عزائي وسلوتي. كنت أفكر طوال تلك الأشهر العصيبة بما قاله الاستاذ عن صديقه المهندس داود. ماالذي كان يعنيه بأن العالم موصول ببعضه بعض. واين قدرة الله ومشيئته في مثل هذه الامور؟ شربنا الشاي في باب المستشفى عندما قال الإستاذ: حين كان صديقي داود يقود سيارة العائلة في شوارع بغداد كان هناك شاعر عراقي يكتب في لندن مقالا ناريا في مديح المقاومة و على طاولته امامه زجاجة ويسكي تعينه على قسوة القلب. ولأن العالم موصول ببعضه بعض بالاحاسيس والكلمات والكوابيس وبواسطة شرايين سرية أخرى فقد خرح من مقال الشاعر ثلاثة رجال ملثمين واوقفوا سيارة العائلة. قتلوا داود وزوجته وطفله وأباه. أما الأم فكانت بإنتظارهم في البيت. أم داود لاتعرف الشاعر العراقي ولا الرجال الملثمين. ام داود تعرف طبخ السمك الذي كان ينتظرهم. نام الشاعر من شدة السكر فوق الكنبة في لندن. بينما برد سمك ام داود وغابت الشمس في بغداد.
فتح باب الغرفة الخشبي، ودخل شاب طويل شاحب الوجه ، يحمل وجبة الفطور. أبتسم لي وهو يضع الطعام أمامي. ترددت اول الامر بما يمكنني قوله او فعله. ارتميت عند قدميه وتوسلت باكيا ( أنا أب لثلاثة اطفال... أنا رجل متدين واخشى الله ...لاعلاقة لي بالسياسة ولا بالمذاهب ... الله يستر عليكم ... أنا مجرد سائق سيارة اسعاف ... قبل السقوط ... وبعد السقوط ... أقسم بالله ونبيه الكريم) وضع الشاب اصبعه على شفتيه ، وخرج منصرفا. لقد شعرت أن نهايتي قد حلت. شربت قدح الشاي وقمت للصلاة عسى ان يغفر الله لي ذنوبي . في السجدة الثانية شعرت بطبقة من الجليد تكتسح جسدي، وكدت أطلق صرخة جزع، غير أن الشاب فتح الباب. كان يحمل جهاز اضاءة صغير محمول على مسند، وبرفقته صبي يحمل الكاواشنكوف. وقف المراهق الى جانبي وهو يصوب السلاح الى رأسي، ولم يتحرك بعد ذلك من مكانه. دخل رجل بدين في الاربعين من العمر. لم يلتفت لي. علق على الحائط لافتة قماش سوادء كتبت فيها آية قرانية تحث المسلمين على الجهاد. ثم دخل شخص اخر ملثم يحمل كاميرا فيديو وجهاز كمبيوتر صغير. دخل بعد ذلك صبي وهو يحمل طاولة خشبية صغيرة. داعبه الرجل الملثم عاركا أنفه وشكره ، ثم وضع جهاز الكمبيوتر على الطاولة وانشغل بتثبيت كاميراته بمواجهة اللافتة السوداء . جرب الشاب النحيل تشغيل جهاز الاضاءة ثلاث مرات ثم أنصرف.
صاح الرجل البدين : ابو جهاد .. ابو جهاد.
اتى صوت الشاب من خارح الغرفة : فد دقيقة .. عيني أبو أركان...
عاد الشاب هذه المرة وهو يحمل شوال الروؤس الذي اخذوه من سيارة الاسعاف. سد الجميع أنوفهم بسبب عفونة الكيس. طلب الرجل البدين مني أن اجلس أمام اللافتة السوداء، أحسست ان ساقي قد شلتا. لكن الرجل البدين سحبني من ياقة قميصي بعنف. عندها دخل رجل أعور آخر، ضخم الجثة، وأمر البدين بأن يتركني لحالي، وكان هذا يحمل في يده بدلة عسكرية. جلس الأعور قربي وهو يضع ذراعه حول كتفي مثل صديق، وطلب مني ان اهدأ. أخبرني بأنهم لن يذبحوني اذ كنت متعاونا وطيب القلب. لم افهم جيدا معنى ( طيب القلب ) هذه. أكد لي بأن الامر لن يستغرق سوى بضع دقائق. أخرج الأعور من جيبه ورقة صغيرة وطلب مني ان أقرأها. بينما قام الرجل البدين باخراج الروؤس المتعفنة وقام بصفها أمامي. كان مكتوبا في الورقة بأنني ضابط في الجيش العراقي وأن هذه الروؤس هي لضباط آخرين، وكنت قد قمت برفقة زملائي الضباط بمداهمة البيوت واغتصاب النساء وتعذيب المواطنين الابرياء ، وكنا نتلقى الأوامر بالقتل من ضابط كبير في الجيش الامريكي، مقابل مكافآت مالية كبيرة. طلب مني الأعور أن أرتدي البدلة العسكرية. أمر المصور الجميع ان ينسحبوا الى خلف الكاميرا. ثم تقدم مني وأخذ يعدل رأسي مثلما يفعل الحلاق. بعدها عدّل صف الروؤس. ثم عاد خلف كاميراته وصاح : تفضل !!
كان صوت المصور من اكثر الاصوات إلفة على أذني. ربما كان يشبه صوت ممثل شهير. او كأنه كان صوت الاستاذ حين يجهد في ان يتحدث بهدوء مصطنع. بعد تصوير شريط الفيديو، لم التق من بافراد الجماعة عدا الشاب الذي كان يجلب لي الطعام. وكان هذا يمنعني من طرح اي سؤال. وكان في كل مرة يأتي لي بالطعام يلقي علي مزحة جديدة عن الساسة ورجال الدين. كانت امنيتي الوحيدة ان يسمحوا لي بالاتصال بزوجتي. كنت اخبأ بعض النقود لليوم الاسود في مكان لايخطر على بال الجن نفسه. لكنهم رفضوا ذلك بشدة. أخبرني قائد المجموعة الأعور ان كل شئ يتوقف على نجاح شريط الفيديو. وقد تحقق ذلك فعلا بسرعة كبيرة أدهشت الجميع. لقد عرضت قناة الجزيرة شريط الفيديو. سمحوا لي بمشاهدة التلفزيون، وكانوا ينطون يومها من الفرح. حتى ان الرجل البدين قبلني من رأسي وقال انني ممثل عظيم. مااثار غضبي هو مقدم الاخبار في قناة الجزيرة الذي أكد للمشاهدين بان القناة تأكدت عبر مصادرها الموثوقة من صحة الشريط وبأن وزارة الدفاع اعترفت بأختفاء الضباط. بعد نجاح عرض الشريط اخذوا يعاملونني بطريقة كانت أكثر من جيدة. اعتنوا بطعامي وفراش نومي وسمحوا لي بالاستحمام، حتى توج تكريمي في الليلة التي باعوني فيها للجماعة الثانية. دخل الغرفة ثلاثة رجال ملثمين من تلك الجماعة ، وبعد ان ودعني الأعور بحرارة ، أنهال علي الرجال الجدد بالضرب ثم كبلوني وكمموا فمي وحشروني داخل صندوق سيارة انطلقت بسرعة مرعبة.

قطعت سيارة الجماعة الثانية مسافة طويلة هذه المرة. ربما وصلنا اطراف بغداد. فقد أنزلوني في قرية موحشة تسرح فيها الكلاب وتعوي في كل مكان. حبسوني في زريبة أبقار. وكان هناك رجلان يتبادلان حراسة الزريبة ليل نهار. لا اعرف لم عمدوا الى تجويعي واذلالي. كانوا يختلفون تماما عن الجماعة الاولى. وكانوا ملثمين طوال الوقت، ولم يتكلموا معي البتة. وكانوا يتفاهمون فيما بينهم بالاشارات. بل لم يكن هناك اي صوت بشري يسمع من القرية سوى نباح الكلاب طوال الشهر الذي قضيته في الزريبة. كانت الساعات تمر ثقيلة ومضجرة. كنت أتمنى ان يحدث اي شئ ، بدل هذا السجن المؤبد مع ثلاث بقرات. كففت عن التفكير بهؤلاء الناس والى أي طائفة أو حزب ينتمون، ولم أعد أندب حظي. كنت أشعر بأنني قد عشت مايحدث لي في زمن ما ، وان هذا الزمن مجرد برهة لن تدوم طويلا. لكن الاحساس بهذا الزمن هو الذي يصطنع البطء والدوار. لم يعد يخطر ببالي ان أحاول الهرب او سؤالهم عما يريدون مني. لقد شعرت أنني أقوم بمهمة ما. واجب قسري علي ان اؤديه حتى النفس الأخير. ربما هناك قوة خفية تكاتفت مع قوة بشرية للقيام بلعبة سرية اهدافها أكبر من أن يتخيلها رجل بسيط مثلي( لكل انسان واجب شعري وأخر انساني ) كان الاستاذ يقول. لكن إن كان ذلك صحيحا كيف لي أن أميز ، وهكذا بسهولة ، بين حدود الواحب الانساني والآخرالشعري ؟ فانا أفهم مثلا ان العناية بزوجتي واطفالي هي من الواجبات الانسانية. وان رفض الكراهية هي من الواجبات الشعرية. لكن لم كان الاستاذ يقول اننا نخلط بين الواجبين و لانعترف بالشق الشيطاني الذي يوجه كلا الواجبين. فالواجبات الشيطانية هي القدرة على الوقوف في وجه الانسان حين يوّجه انسانيته ، او حتى الشعر المتطرف ، صوب الهاوية. وكان هذا كثيرا جدا على عقل رجل بسيط مثلي أكمل دراسته المتوسطة بمشقة كبيرة. على كل حال ، أظن
ان ما أقوله لاعلاقة له بطلب اللجوء. فما يهمكم هو الفزع. ولو كان الاستاذ حاضرا لقال بأن الفزع يكمن في ابسط الألغاز التي تلتمع في نجمة باردة من سماء هذه المدينة. في الأخير دخلوا الزريبة بعد منتصف الليل. قام احد الملثمين بفرش زاوية من الزريبة بالسجاد الفاخر. ثم قام زميله بتعليق لافتة سوداء مكتوب عليها : جماعة الجهاد الاسلامي فرع العراق. بعد ذلك دخل المصور مع كاميرته، وقد بدا لي انه نفس مصور الجماعة الاولى. كانت حركاته يديه شبيهة بحركات المصور الاول. الفارق الوحيد انه يتفاهم الآن مثل الآخرين بالاشارات. طلبوا مني ان أرتدي دشاشة بيضاء وأجلس امام اللافتة السوداء . أعطوني ورقة و أمروني أن أقول ما فيها أي أنني انتمي الى جيش المهدي وأنني ذباح شهير و قمت بفصل مئات الروؤس من رجال السنة وباننا نتلقى المساعدات من ايران. وقبل ان انهي القراءة صدر عن احدى البقرات خوار عال طلب المصور إثره أن أعيد القراءة. اخرج احد الرجال البقرات الثلاثة كي نكمل تصوير مشهد الزريبة.

ادركت فيما بعد ان جميع الذين اشتروني كانوا ينقلونني عبر الجسر نفسه. ولا أعرف السبب. جماعة تعبر بي من جسر الشهداء صوب الكرخ ثم الجماعة التالية تعود بي عبر الجسر نفسه الى الرصافة. اظن ان قصتي لن تنتهي بهذه الطريقة. واخشى ان تقولوا كما قال الاخرون عن حكايتي. يبدو لي من الافضل ان اختزل لكم الحكاية بدل ان تتهموني بأختلاقها: باعوني الى جماعة ثالثة. عبرت السيارة بسرعة جسر الشهداء مرة أخرى. نقلت الى بيت فاحش الثراء. فقد كان سجني هذه المرة في غرفة نوم مزودة بسرير مريح وجميل من تلك التي نشاهد ابطال الافلام يمارسون الجنس فيها... وتبخر الخوف من نفسي وصرت أفقه فكرة الواجب الخفي الذي إختاروني له ، و أنا قمت به لئلا اخسر رأسي. لكني فكرت ايضا بأن اختبر رد فعلهم في بعض الامور. فبعد تصوير فيديو جديد أتحدث فيه عن انتمائي الى الجماعات الاسلامية السنية وعن عملي في تفجير مساجد الشيعة واسواقهم الشعبية، طالبتهم ببعض النقود لقاء تصوير الشريط هذا. كان جوابهم الحاسم، ضربا لن أنساه. طوال عام ونصف من رحلة اختطافي، تنقلت من وكر الى اخر. صوروا لي أشرطة فيديو أتحدث فيها عن انتمائي الى الاكراد الخونة والمسيحين الكفار و ارهابي السعودية و المخابرات السورية البعثية والى حرس ثورة ايران المجوسية. في هذه الاشرطة قتلت واغتصبت واحرقت وفجرت وقمت بجرائم لايتصورها عاقل. جميع اشرطة الفيديو هذه عرضتها فضائيات العالم ، وجلس خبراء وصحفيون وساسة ينقاشون ما قلته وفعلته. اما الحظ السئ الوحيد الذي صادفنا ، كان عند تصوير الفيديو الذي اظهر فيه كجندي أسباني يسلط أحد رجال المقاومة سكينا على رأسه ويطلب من القوات الاسبانية الانسحاب من العراق. لقد رفضت جميع المحطات الفضائية بث الشريط. فالقوات الاسبانية كانت قد غادرت البلاد قبلها بعام . وكدت أدفع ثمنا باهظا على هذه الغلطة ، فتلك الجماعة أرادت ذبحي إنتقاما على ما حدث. لكن من أنقذني كان المصور الذي إقترح عليهم فكرة رائعة اخرى ، كانت النهاية لأدواري الفيديوية: ألبسوني زيا للمقاتلين الافغان وشذبوا لحيتي ثم وضعوا على رأسي عمامة سوداء. وقف خلفي خمسة. وجاءوا بستة رجال يصرخون ويستغيثون بالله ونبيه وآل بيته ذبحوهم أمامي مثل الخراف وأنا أعلن بأني الزعيم الجديد لتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، كما هددت الجميع من دون استثناء.

في ساعة متأخرة من الليل. جلب لي المصور ثيابي القديمة ثم قادني الى سيارة الاسعاف الواقفة امام الباب. وضعوا تلك الروؤس الستة في شوال ألقوه في السيارة. في تلك اللحظات راقبت حركات مصور الفيديو و أيقنت من أنه مصور الجماعات كلها ، وقد يكون الراس المدبر لهذه اللعبة الرهيبة . جلست خلف مقود سيارة الأسعاف بيدين مرتجفتين. ثم أصدر المصور الأمر من خلف لثامه : انت تعرف الطريق ... عبر جسر الشهداء ... الى المستشفى...

أنا أطلب اللجوء في بلدكم بسبب الجميع. كلهم قتلة ومتآمرون، زوجتي واولادي وجيراني وزملائي والله ونبيه والحكومة والصحف وحتى الاستاذ الذي كنت اعتبره ملاكا ، وعندي شكوك بان مصور الجماعات الارهابية كان الاستاذ بعينه. لم يكن كلامه الغامض سوى دليل على تواطئه وقذارته. لقد قالوا جميعا ان غيابي عن العمل لم يستغرق عاما ونصف ، فقد عدت في الصباح من عملي في تلك الليلة الماطرة. والاستاذ الشرير قال في ذاك الصباح : العالم مجرد حكاية دموية افتراضية ونحن جميعا قتلة وأبطال. وهذه الروؤس الستة لايمكنها ان تكون الدليل على ماتقول كما ليست بالدليل على أن الليل لن يخيم في المساء.


بعد ثلاثة ايام من تدوين هذه الحكاية في أرشيف دائرة الهجرة ، أدخلوا صاحبها الى مستشفى الامراض النفسية. وقبل ان يهم الطبيب بسؤاله عن بعض ذكريات طفولته ، لخص سائق سيارة الأسعاف حكايتة الواقعية هذه المرة بكلمتين :

- أريد النوم .
وقالها بتوسل ومذلة...


2008