الأربعاء، 5 مارس، 2008

خمسون رواية في دماغي






كانت السماء تمطر...

في طفولتي ، في عام 1983 سقط جناح طائرة حربية إيرانية على الزقاق المجاور. الدفاعات الارضية أصابتها من بين خمس طائرات أغارت على حقول النفط. جزء آخر من الطائرة سقط في مزرعة للبطيخ الأحمر. كنا نعيش في حي حكومي في مدينة كركوك النفطية. بيوت بنتها الحكومة للمنتسبين الى الجيش وفق تصميم واحد : غرفة نوم وغرفة استقبال وحمّام ومرحاض وحديقة خلفية صغيرة. كان الكبار يتحدثون عن بنت التصق مخها بالجدار إثر سقوط الجناح الذي سدّ الزقاق وهدم واجهات بعض البيوت. كل أطفال الحي سمعوا بمخّ البنت. قال ولد في المدرسة إن جسد البنت طار عاليا الى السماء من دون رأس ولم ينزل. بعد حادثة الجناح أخذت أغيّر طريق العودة الى البيت وأنعطف الى ذاك الزقاق. أستجمع انفاسي ثم انطلق قاطعا الزقاق بأقصى سرعة لمشاهدة مخّ البنت. لكني لم أره في كل مرة. كنت أزيد من سرعتي من غير ان التفت الى الجدار حيث مخّ البنت الذي كما سمعت كانوا قد أخذوه من هناك. كان الخوف يدفعني الى الاقتراب من مصدره والهروب منه في الوقت نفسه.

السماء تمطر. خمسون رواية في دماغي، لكني لا اقوى على كتابة قصة قصيرة واحدة. ليست السماء ولا المطر هما الاعجوبة. الاعجوبة هي اننا لا نزال نكتب عن ذلك من دون خجل. ماذا يعني أن السماء تمطر. هي كذلك، منذ وصول القرد الاول الى الكهوف. بالطبع قبل وصوله كانت تمطر، لكن لم يكن هناك شهود. لهذا يمكن القول إنها لم تكن تمطر الا بعدما خافت القرود. ما الفرق إذاً بين أن تكتب لقارئ أو أن تكتب لنفسك. لا أريد أن أشغل اسطوانة " لماذا أكتب " وأتحدث عن نافورة العبث الخالدة. أنا أبحث عن الفارق الذي لا أهمية له. الفارق بين أن تعيش من أجل الكتابة أو أن تعيش الكتابة من أجلك. العالم جميل، شاسع، ومخيف. لذا لا أقوى على النهوض من سريري. أنهض من أجل أن أكتب: أن أبطئ من نزيف الدماغ. رواية سميكة قد تكتب في ثلاثة أعوام أو ستة أشهر، في حين تذكر أيّ تخيّل لمثل هذه الرواية لا يحتاج سوى نصف ساعة أو أكثر بقليل. الكتابة آلة تعذيب لأنها تبطئ من عمل الذاكرة، محاولة قطنية لسد الثغرة النازفة في الدماغ. ولك أنت حرية الخيار: إما أن تتحمل مخالب ألة التعذيب وإما أن تحيا مرعوبا من فكرة أنك تنزف بلا توقف. لكن هل كتابة رواية أهون من تحمل الوحدة. الأرق الذي يعزف ليلا مثل هندي ينادي أفعاه. تفيق الذاكرة ثم تتلوّى مثل إعصار ضلّ طريقه في قرية فقراء، والسماء تمطر. يا للقرف. تمطر. علامَ تدل بالتحديد عبارة "السماء تمطر". ثم ما الذي تمطره: طين، قنابل، بلغم، حيرة، ضفادع، حالوب؟ هل يعني ذلك أن الماء ينزل من الغيوم، والبول يخرح من بين الافخاذ، والخراء يصب من المؤخرات، والطائرات تقصف ثم تسقط من السماء. كرهتُ قراءة الروايات بسبب هذه العبارات والصور التي تتساقط بلا رحمة فوق كل شبر من الارض. تمطرعلى عظام افريقيا، تمطر في رحم امرأة من الارجنتين، في قصص قصيرة من اليابان، تتغوط السماء فوق بغداد من دون ذنب، تمطر في رواية هندية لتغرق الاغاني الحزينة. تصالحت مع الشعر الغامض والرديء للتمتع بحل مغزاه ككلمات متقاطعة بدل كل هذا المطر. السينما أمرها يسير ويمكن فهمها من دون وجع الراس. هي مجرد فن للتسلية. أرجو أن لا يغضب السينمائيون، فقد ذكرت أنها فن، والتسلية فن، مثل عبارة " السماء تمطر". فالإثارة التي يتسبب بها جناح طائرة ايرانية ستتضاعف في السينما وحين يهوي برفقة المطر، بينما ما يهوي في الذاكرة يبقى غامضا مثل رسوم الاطفال. الآن من جديد: ما الفارق بين الأمرين، إن بقيت جالسا في سريري أتذكر مخ البنت الملطوش على الجدار، وأن اتوكل على الله وأنهض من سريري للكتابة عن المخّ. إن تذكّر مخ البنت قد يحتاج الى كتابة عشر صفحات. الصفحات العشر تفتح بابا آخر للتعليق على الصفحات العشر الاولى بعشرين صفحة أخرى، والعشرون تفتح دربا ترابيا مهجورا للعودة الى الماضي الأبعد بخمس عشرة صفحة أخرى. الماضي المهجور يفتح نفقاً صوب التأريخ. التأريخ ينقلب على بطنه ويحتاج حينها الى مائة صفحة لوصف بطنه. إيضاح هذا الحادث بحاجة الى خمسين صفحة للإشارة الى حكاية معاصرة كدلالة على الحادث. الدلالة بحاجة الى جيش من المهندسين لفك شفرتها. والمهندسون حكاية أخرى تقود الى الاطباء الذين أشرفوا على علاجهم النفسي، وهكذا الى أن يتم بناء ثلاثة أهرام متماسكة ومعجزة من فن الثرثرة: خافوا وتغوّطوا وماتوا. قلتُ إن الهرم فن، والثرثرة فن، مثل ثرثرة السماء المائية ومنذ شهود الامس حتى قرود اليوم. لكن أليس مرور المخ المحترق في ذاكرتي مثل نيزك مشؤوم أرحم من اصطياده بشبكة الكتابة. حسناً، ماذا لو لم يكتف مخ البنت بالمرور، والتصق في مخي الى الأبد. حيوان عاقل سيفضّل اصطياد النيزك ونزع ريشه في مزبلة الكتابة. المزبلة فن، كقاذورات السماء التي تتجمع في قلبي.

أظن أن السماء لا تزال تمطر. اليأس والسماء كلاهما ُيمطِر اللحظة. أدخل الى الحمّام. أمسك قضيبي وأنتظر. نسيت مخ البنت. اثناء خروج البول تذكرتُ مخ أبي الذي سكت في ظهيرة تموزية قبل أعوام. ما الفارق بين أن تتذكر وتتبول والسماء تمطر وبين أن تكتب عن ذلك. أمنيتي أن لا يكون هذا الفارق مجرد حاجة قطنية للتضميد وإلا لن أقوى على كتابة سطر بعد اليوم. في السرير أحاول تذكر ما قاله الكتاب الشهيرون عن مهنة الكتابة. ما الفارق بين الروايات التي ُكتبت والتي لم ُتكتب بعد. إنه شبيه بالفارق اللامرئي بين الأحياء والاموات. بين كل ما كتب وما سيكتب من جديد. أكيد أني سأتبرع بجلدي إذا كانوا بحاجة الى قطعة قماش لخياطة راية الفشل. ما أن عدت للاختباء في سريري حتى اشتد المطر في الخارج، تخيلت أن البنت تجلس الان على مقعد المرحاض من دون مخ تنتظر عودتي. اظن ان البنت تشعر بالوحشة وهي بحاجة الى رفقة. لا تقلقي يا صغيرتي، في ذاكرتي ألف مخ ومخ مهروس. سأجلب لك من صبيان بغداد اليوم رفيقا لم يتبقّ من جسده سوى رائحته في حضن امه. إن كانت الذاكرة معدة متخمة بالرعب، فالمخيلة طاحونة لا تشبع، هي الدجاجة التي تواصل نقر الارض حتى لو كانت خالية. لكن هل الكتابة عن هذا الموضوع بحاجة الى وقفة تأمل أم وقفة اخرى للتبول والتذكر. يمكن سؤال الطبيب عن ذلك أو البدء هكذا بكتابة رواية : كانت السماء تمطر...

هلسنكي - آيار 2007

ليست هناك تعليقات: