الثلاثاء، 4 مارس، 2008

جريدة عسكرية






الى قتلى الحرب العراقية الايرانية ( 1980 ـ 1988)

سنذهب الى المقبرة، إلى مشرحة الموتى. نستأذن حراس الماضي . سنخرج الميت عاريا الى الحديقة العامة. نجلسه على المصطبة، تحت شمس برتقالية ناضجة. سنحاول تثبيت رأسه. حشرة أو ذبابة تطن حوله. مع أن الذباب يطن على الأحياء والأموات بقسمة عادلة. سنتوسل اليه أن يعيد علينا الحكاية. لا حاجة لرفسه تحت خصيتيه كي يروي بصدق ونزاهة. فالأموات نزيهون في العادة، حتى الأوغاد منهم.


...........




شكرا عزيزي (الكاتب) على إبعاد الذبابة من على أنفي وإتاحة هذه الفرصة المشمسة !

أختلف معك فقط في محاولة تخويف القراء مني وأنت تصفني بالوغد. دعهم يحكمون بأنفسهم ارجوك، ولا تتحول انت الآخر الى كلب مسعور. هنئيا لك بالحياة ! فقط لا تتدخل في جوهر الحيوان الذي أنت من فصيلته.

سيدي القاضي: قبل عشرة أعوام، أي قبل ان أنهي حياتي، كنت أعمل في جريدة عسكرية. أشرف على الصفحة الثقافية التي كانت تهتم بقصص وقصائد الحرب. وكنت اعيش حياة آمنة. لديّ ابنة صغيرة وزوجة وفية تجيد الطبخ ، وقد وافقت أخيراً على لعق زبي قبل كل مضاجعة. وكنت احصل من عملي في الجريدة على العديد من المكافآت والهدايا، والتي كانت قيمتها تفوق بكثير راتبي الشهري. وبشهادة رئيس تحرير الجريدة ،أكون انا العبقري الوحيد الذي تمكن من احياء الصفحة الثقافية بمخيلة قتالية لاتكل ولاتمل. حتى انني حصلت على تكريم ورعاية خاصة من وزير الثقافة نفسه، ووعدني الوزير سرا بالتخلص من رئيس التحرير وتعييني مكانه. لم أكن عبقريا الى هذا الحد ولا حتى وغدا كما يريد أن يصفني كاتب هذه القصة. كنت رجلا مثابرا وطموحا، احلم بالوصول إلى منصب وزير الثقافة لا أكثر. لهذا كنت منكبا في تلك الايام على عملي بشرف، وكان عرق جبيني يتصبب وانا اراجع وأدقق وأصمم صفحتي الثقافية مثل خباز صبور. كلا سيدي القاضي ، لم اكن رقيبا على النصوص كما ستتخيل. فالكتاب الجنود كانوا اشد صرامة وانضباطا من أي رقيب عرفته في حياتي. كانوا يدققون في كل كلمة ويفحصون حروفها بعدسات مكبرة، فهم ليسوا حمقى الى هذا الحد ليرسلوا كلمات متباكية او جمل من العواء والصراخ. كان بعضهم يكتب من أجل أن لا يصدق أنه سيقتل وأن الحرب مجرد قصة حماسية في جريدة. والبعض الآخر كان يبحث عن بعض المنافع المادية والمعنوية. وهناك كتاب اجبروا على ذلك. وكل هذا لا يعنيني، وأنا في هذه اللحظة غير نادم ولا حتى خائف؛ فالميت سيدي القاضي لايتألم على جرائمه ولا يشتاق الى سعادته كما تعلم. وإن كنا نسمع بين فترة واخرى نقيض هذه الحقيقة فهي مجرد مبالغات شعرية دينية تافهة وشائعات مضحكة لا تمت بصلة لأوضاع الموتى البسيطة. لكنني اعترف أنني كنت أتدخل كثيرا في بناء وطرق أداء القصص والقصائد واحاول قدر المستطاع ان امد الصور المكتوبة التي كانت تصل من الجبهة بالمزيد من فحم المخيلة. فبالله عليك ما معنى ان يقول أحدهم ونحن نخوض حربا شعرية : ( لقد احسست ان قصف المدفعية كان شديدا كالمطر، لكننا لم نكن خائفين ..). شطبت وكتبت من جديد : (لقد أحسست ان نيران المدفعية، كانت كرنفالا من النجوم ، ونحن كنا نتمايل كالعشاق فوق تراب الوطن ..) هذا مثال صغير فقط عن طبيعة تدخلاتي المتواضعة.

لكن المنعطف في الحكاية سيدي القاضي، حين وصلت الى الجريدة خمس روايات، من جندي يقول أنه كتبها خلال شهر واحد. كانت كل رواية مكتوبة في دفتر سميك من تلك الدفاتر المدرسية الملونة. وعلى غلاف كل دفتر كتب في المربع المخصص للتعريف بالدفتر: الأسم والصف والمدرسة. ولم تكن الصفوف تتجاوز المرحلة الابتدائية. وكان كل دفتر يحمل اسما مختلفا. وكل رواية كانت تتحدث عن حكاية جندي بنفس الأسم المكتوب على الغلاف. الروايات كانت مكتوبة بلغة فنية عالية مدهشة، بل أجزم أن الرواية في العالم قبل هذه الروايات التي قرأت هي مجرد هلوسات وحكايات فارغة وقزمية أمام عظمة ما كتبه هذا الجندي. لم تكن الروايات تتحدث عن الحرب، فقط أبطالها كانوا جنودا مسالمين. كانت غوصا شفافا وقاسيا حول الكائنات الجنسية من وجهة نظر طفولية وشيطانية في آن واحد. كنت تقرأ عن جنود يلعبون بالمني والضحك وهم بكامل عدتهم العسكرية مع عشيقاتهم في الحدائق وعلى ضفاف الانهار. عن جنود يصنعون من افخاذ العاهرات اقواسا رخامية تتسلقها نباتات حزينة بلون الحليب. جنود يصفون السماء في جمل قصيرة شبقة وهم يلقون بروؤسهم على صدور نساء لدنات. كانت اناشيد ساحرة عن الاجساد وهي تنزّ أزهارها المائية. تحريتُ بسرعة وشغف عن الجبهة التي يقاتل فيها الجندي وعن وحدته العسكرية. عرفتُ أن الفيلق العسكري الذي كان يقاتل فيه، تعرض قبل ايام معدودة من إرسال هذه الروايات الى هجوم كاسح من قبل العدو. وقد تكبد الفيلق خسائر فادحة في الأرواح والمعدّات. كان لي زميل، يعمل في تحرير صفحة الشجاعة ونياشينها في جريدتنا العسكرية، يهتف كلما شاهدني : لديك دماغ دبابة رفيقي !! تذكرت وصفه هذا ، حين أحسست أن الفكرة لمعت مكتملة في اسلاك دماغي الذهبية، وأنا أقلّب في هذه الدفاتر المعجزة. قررت أن أكتب رسالة إلى الجندي أهدده فيها، سأقول له بصرامة وصراحة، بأنه معرض للمساءلة الحزبية وربما سيحاكم عن قريب ويعدم، لأن رواياته كانت تنحرف عن عمد وبطريقة واضحة عن نهج الحزب وحربه العادلة. وكنت أعوّل على رعب الجنود الازلي المتعارف عليه، لتركه يتخلى عن هذه الراويات، أو أنه سيعتذر لي ويتوسل بمرارة أن أتلف ما كتبه، وأن أسامحه على فعلته الشنيعة هذه والتي لن يكررها مرة اخرى. عندها فقط، سأعرف مالذي افعله بهذه الروايات الانسانية الشاهقة. لا اظن ان روائيا كبيرا كان يحلم بأكثر من خمس روايات على هذه القدرة العالية من الأبتكار في المزج بين لغة الحلم والواقع، للوصول إلى الجنس العاشر من اللغة؛ وهو الجنس الذي بنيت منه النار، ثم من النار بنيت الشياطين.

لم تكن السماء بعيدة؛ لقد وقفت الى جانبي بسرعة خاطفة. تلقيت بعد اسبوع من رسالتي إلى الجندي، برقية من فيلقه العسكري تقول أن الجندي قتل في الهجوم الأخير ولم يخرج من فصيله العسكري شخص واحد على قيد الحياة. لقد كدت أن أبكي من فرط السعادة ومن هبات القدر السخية هذه، وأنا اكرر قراءة اسم الجندي المقتول بنشوة لا توصف .

سيدي القاضي. بعد خمسة شهور من نشر الرواية الاولى بأسمي( بعد ان أبتكرت عنوانا مميزا لها). كنت اجوب بلدان العالم من اجل تقديم روايتي الجديدة في حلقات دراسية، قدمني من خلالها اكبر مشاهير النقاد والمفكرين. وكتبت عني أكبر الصحف والمجلات الادبية العالمية. حتى انني لم اجد وقتا كافيا لإجراء المقابلات التلفزيونية والاذاعية. اما نقاد البلاد فقد كتبوا دراسات طويلة عن حربنا العادلة التي بإمكانها أن تلهم الإنسان كل هذا العطاء والحب والشعر. ولقد كتبت رسائل ماجستير ودكتوراه عديدة في جامعات البلاد ، اعتمد فيها الباحثون على نبش كل الدلالات الشعرية والانسانية في روايتي وتحدثوا عن التناغمات بين الرصاص والمني، بين صوت الطائرات واهتزاز السرير، بين القبلة والشظية، وبين رائحة البارود ورائحة فرج المرأة؛ رغم أن الرواية لم تتحدث عن الحرب لا من بعيد ولا من قريب. وبعد عودتي الى البلاد سُلّمت في احتفال باذخ كرسي وزير الثقافة نفسه دون أي مشقة. لم اكن مستعجلا في نشر الروايات الاربع المتبقية. فلقد كان هنالك المزيد مما يمكن ان تدره الرواية الاولى . ابدلت زوجتي ومسكني وملابسي وسيارتي، بحاجيات جديدة من التي كنت اشتهي. يمكنني القول انني سجدت للحرب ورفعت يدي بالشكر الى السماء على هذه النعم والهبات التي لا تقدر بثمن. وكنت واثقا من ان جائزة ( نوبل) للآداب ستكون هنا على مكتبي في الوزارة بعد الرواية الخامسة. كانت السعادة قد فتحت ابوابها مثلما يقولون. الى أن وصلت ذات يوم على عنواني في الوزراة، ثلاثة طرود كبيرة من الجبهة. كانت تحتوي على عشرين رواية مرسلة من نفس الجندي وبنفس الطريقة. دفاتر مدرسية وأسماء جنود في المرحلة الابتدائية، وقصص حب ومني. شعرت للوهلة الاولى بإرباك هائل، ثم تحول الأرباك الى فزع جليدي. حملت الروايات على عجل وطلبت من مسوؤل مخازن الوزارة ان يعطيني مفاتيح احدى المخازن. اخفيتها بسرية تامة، وأجريت اتصالات عديدة ومكثفة للبحث عن الجندي. كانت جميع البرقيات تصل الى مكتبي في الوزراة مباشرة، وكانت جميعها تؤكد مقتل الجندي. كانت أياماً مرعبة. في اليوم التالي وصلت طرود اخرى بروايات تضاعف عددها هذه المرة ومن نفس الجندي وبنفس الطريقة. حملت الروايات من جديد الى مخزن الوزارة ووضعت اقفالا اضافية على باب المخزن. لقد مرت شهور قاسية سيدي القاضي، وانا موزع بين اخفاء الروايات التي ظلت تتدفق بطريقة عجيبة ، وبين البحث عن الجندي الذي لم يكن له أثر على طول الجبهة وعرضها. في هذه الفترة كانت الرواية الثانية قد طبعت ونشرت. تلقيت اتصالا هاتفيا من الرئيس ومن وزير الدفاع ومن مسؤليين في الدولة يمتدحون اخلاصي وعبقريتي. وأخذت الدعوات تنهمر على الوزارة من خارج البلاد. لكنني رفضتها جميعا هذه المرة وتحججت بأن البلاد اغلى واهم من كل جوائز ومؤتمرات الدنيا، فالبلاد بحاجة الى كل ابنائها الأبرار في مثل هذه الظروف العصيبة. في الحقيقة كنت أريد ان اجد حلا للروايات التي ظلت تنهمر كل صباح بأعداد هائلة مثل عاصفة من الجراد: اليوم مئة رواية. غدا مئتان، وهكذا ...

سيدي القاضي. كدت أن اخسر دماغي الدبابة. أخيراً حصلت على عنوان بيت الجندي. ذهبت لزيارة عائلته للتأكد من مقتله. اخبرتني أمه انها لم تكن تصدق انه كان ميتا. لم يكن هناك سوى ثقب صغير في جبهته. كانت رصاصة قناص. اخذت عنوان قبره من زوجته وتركت لهم مبلغا من المال. اكتظت مخازن الوزارة الاخرى بالدفاتر. كيف سأشرح للحزب والحكومة أنني كتبت كلّ هذه الروايات؛ ولِمَ اكتبها في دفاتر مدرسية ، ولم أسماء الجنود وهم في مراحل الدراسة الابتدائية، ولماذا اخزنها بهذه الطريقة ؟ كانت هناك عشرات الاسئلة التي لم يكن لواحد منها جواب منطقيّ. اشتريت مخازن قديمة للطحين في أطراف العاصمة، تحسبا لتدفق المزيد من الروايات . دفعت مبالغ هائلة لثلاثة عمال في الوزارة ليعينونني على نبش قبر الجندي. كان هناك بجثته المتعفنة مثقوب الجبين. حركت جثته اكثر من مرة للتأكد من موته. همست في اذنه. ثم زعقت بصوت عال وشتمته، وتحدّيته إن تمكن من فتح فمه او تحريك أصغر أصابع يده. لكنه كان ميتا بما فيه الكفاية. خرجت دودة من رقبته وهي تطارد دودة اخرى ، ثم غاصتا من جديد في مكان اخر قرب الكتف. سيدي القاضي. قد لا تصدق هذه الحكاية. لكنني اقسم لك بجبروتك، أن مخازن الطحين والوزارة اكتظت خلال عام واحد بروايات الجندي. بالطبع لم يتسن لي قراءة جميع الروايات. لكنني كنت استل من كل مجموعة عينة واحدة. اقسم لك انها لم تكن تتضاعف عددا فحسب، بل كانت تزداد تألقا وابداعا. لكنني كنت ارتجف واشعر ان نهايتي ستكون قريبة ان لم يتوقف طوفان الروايات هذا.. بالتاكيد لم اترك طريقة ممكنة وغير ممكنة للتحري والبحث. تحريت عن العناوين التي كانت تصل منها الطرود. كانت ترسل بنفس اسم الجندي من اماكن مختلفة من الجبهة. لكن لم يكن له اثر. مع ذلك ، لم يكن بوسعي ان اتمادى في السؤال عن الطرود كيلا يُفتضح أمري.

عدت إلى المقبرة وأحرقت جثة الجندي. طلقت زوجتي الثانية ، وتركت عملي بعد أن أعانني طبيب نفسي في تقديم تقرير يثبت تدهور صحتي . جمعت كل دفاتر الروايات من مخازن وزارة الثقافة ومخازن الطحين القديمة ، واشتريت ارضا زراعية معزولة، وشيدت فيها محرقة خاصة ومخزناً كبيراً وغرفة ومرحاض، وأحطتها بسور عال. كنت متأكداً من أن الروايات ستواصل تدفقها على عنواني الجديد هذا. لكنني كنت مستعدا لها هذه المرة . ومثلما توقعت، مع صباح اليوم الاول في المزرعة، كنت أعمل بجد ونشاط ليل نهار في حرق حكايات الجنود وأسمائهم في الدفاتر المدرسية الملونة، على أمل أن تنتهي الحرب وينتهي هذا الجنون من اوراق المني الخاكي.. توقفت الحرب سيدي القاضي بعد سنوات طويلة ومرعبة. لكن حربا جديدة أندلعت. لم يتبقى امامي من خيار سوى نار المحرقة ، وانت الرحيم الغفور !!

سيدي القاضي ...

والآن وقبل اعادتي لمشرحة الموتى.اعرف أنك قدير وحكيم وعليم ومتكبر. لكن هل كنت ايضا تعمل في جريدة عسكرية . لماذا لديك محرقة وبشر روايات .



ليست هناك تعليقات: